التصعيد في المنطقة إلى أين؟

تصاعدت حدة المواجهات على الجبهة السورية-الإسرائيلية والتي أدت إلى إسقاط طائرة إسرائيلية للمرة الأولى، رغم تكرار عمليات السلاح الجوي الإسرائيلي في سوريا. وقد استطاعت إسرائيل تدمير بطاريات الصواريخ المضادة للطيران، ومنشآت عسكرية متواجدة على الأرض السورية من ضمنها وسائل اتصالات ومركز تحكم للطائرات من غير طيار.

وتمر المنطقة بمرحلة دقيقة بعد هزيمة تنظيم داعش والذي يحذر بعض المراقبين أن الانتصار على الجماعة المارقة لن يجلب بالضرورة السلام للمنطقة، وقد يخلق حالة من الاستقطاب الإقليمي. وقد يبشر بالمزيد من المواجهات كما رأينا في المواجهة في 10 فبراير بين إسرائيل وسوريا. ولعل تداعيات هذه المواجهة أكبر من حقيقتها وان إسرائيل دخلت في أول مواجهة مباشرة مع إيران بسبب رفضها وجود تواجد عسكري إيراني قرب حدودها.

وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن الوضع في سوريا بسبب الحرب التي تدور رحاها منذ سبع سنوات، أعطى إسرائيل هامش حرية كبيراً لرسم خطوط حمر عريضة. وأهم هذه الخطوط الحمر عدم نقل أسلحة متقدمة لحزب الله (الذي يعد بمثابة وكيل إيران لزعزعة الاستقرار في المنطقة)، وإعطاء إيران أوراق رابحة عن طريق سوريا. وتقول المصادر ذاتها إن الوضع الاستراتيجي في سوريا تغير بعد الانتصارات التي حققها النظام ضد معارضيه.

وبعد استتباب الأمر نسبياً في سوريا، شرعت إيران في إنشاء موطئ قدم لها في الأراضي السورية، حيث وطدت طهران مليشياتها في جنوب سوريا، كما تسعى حثيثاً لإنشاء قاعدة جوية وبحرية. ومع إسقاط طائرة مقاتلة إسرائيلية قد تتغير الحسابات الإسرائيلية من جديد للتكيّف مع الوضع الجديد. وفي خضم المواجهات، صرحت موسكو بضرورة احترام إسرائيل للسيادة السورية وعدم التوغل في أجوائها. وهذا الإنذار الروسي يكبّل من حرية الحركة الإسرائيلية في سوريا.

وقد يشجّع تواجد الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض إلى قيام إسرائيل بمغامرة لتغيير المشهد الإقليمي في المنطقة.

ويرى كاتب لبناني إن إسرائيل تتبنى خطاباً سياسياً وأمنياً يسعى إلى إقناع «المجتمع الإسرائيلي بأن عدم القيام بالحرب اليوم يؤكد أن قدرات حزب الله بعد سنة ستكون أكبر بكثير، وبالتالي إذا خاضوها اليوم فستكون الخسائر أقل منها بعد سنة».

وعلى المنوال ذاته، يرى دانيال شابيرو، السفير الأميركي السابق في تل أبيب، إن قوة حزب الله بدأت في التضخم في لبنان، خاصة بعد أن تبدّى انتصار بشار الأسد في سوريا. وقد شرعت بعض عناصر حزب الله في الرجوع إلى لبنان. والأزمة الحالية في لبنان قد تكون مؤشراً على المواجهة المتوقعة في البلاد.

وفي 8 نوفمبر الفائت كتب المساعد السابق للرئيس باراك أوباما، روبرت مالي، مقالة في «أتلانتيك» بعنوان «الشرق الأوسط يقترب من الانفجار». ويرى أن هناك تقاطعاً لعدة معطيات منها الأزمة اللبنانية وتمدد حزب الله في المنطقة كوكيل عن إيران لزعزعة الاستقرار في المنطقة وإعطاء إيران أوراقاً رابحة.

ويرى مالي أن دور واشنطن فريد، حيث يقبع في البيت الأبيض رئيس من طراز مختلف. ورغم عدم اتساق مواقفه عموماً إلا أن عداءه لإيران من الثوابت النادرة في سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط. ولا يحبذ ترامب الدخول في مفاوضات دبلوماسية مع طهران كسلفه أوباما. بل يسعى إلى تعديل ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة وعدم السماح لطهران بزعزعة الاستقرار في المنطقة أو مد نطاق هيمنتها ضمن المنطقة. ولعل موقف الرئيس هذا يشجع أطراف إقليمية عدة لاتباع أسلوب المواجهة.

ويرى الكثير أن لا أحد من الأطراف يستطيع أو لديه الرغبة في إشعال فتيل الحرب. والسبب يعود إلى تخوف كافة الأطراف أن الحرب ستأكل الأخضر واليابس. وإسرائيل بعد حربها في 2006 باتت متأكدة من عدم جدوى الدخول في مواجهة مع حزب الله. وكذلك الحال مع حزب الله الذي رأى أن آخر تلك المواجهات لم ينتج عنها إلا الدمار للبنان وشعبه.

والمشكلة أن مالي يرى تخوّف الأطراف من بعضهم قد يكون حافزاً على شن هجوم مباغت. ومما يعزز من هذه الفرضية غياب أي اتصالات دبلوماسية بين المسؤولين في هذه البلدان. ويشجّع هذا التوجه الرئيس ترامب والذي يعتقد أن الاتفاق النووي مع إيران هو أسوأ صفقة في التاريخ، وانه يعتزم التخلي عنها.

وهناك حلقات الاتهام بالفساد التي بدأت تضيق حول نتنياهو والتي قد تطيح به من رئاسة الحكومة. وهذا يشكل دافعاً بحد ذاته للقيام بمغامرة عسكرية تبعد الأنظار عن هذه التهم إلى الخارج.

وتأتي زيارة ريكس تليرسون، وزير خارجية الولايات المتحدة، إلى لبنان وتصريحاته حول حزب الله في هذا السياق الحساس. فهل ستمنع الدبلوماسية الأميركية من انفلات الوضع في منطقة الشرق الأوسط؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات