غاب العالم في خطاب حالة الاتحاد

القضايا والمفردات التي غابت عن خطاب الاتحاد الذي ألقاه ترامب، لم تكن أقل دلالة من تلك التي وجدت طريقها لفقراته القليلة.

وخطاب الاتحاد، هو خطاب يلقيه الرئيس، بموجب الدستور الأميركي، أمام أعضاء الكونغرس بمجلسيه، ليقدم فيه تقريراً مفصلاً للشعب وممثليه عن «حالة الاتحاد» الأميركي.

ومن هنا، كان لافتاً أن يتحدث الرئيس الأميركي عن «حالة» الاتحاد الأميركي، فلا يذكر مطلقاً حلفاء أميركا الدوليين، خصوصاً في أوروبا، ولا يأتي على ذكر العالم، إلا بوصفه يصدّر لأميركا الجريمة، أو يظلمها دون وجه حق!، وهو عالم فيه من الأعداء والخصوم، ما يستوجب المواجهة، دون أن تكون فيه على الإطلاق فرص للتعاون ولا للشراكة. وكان من أهم ما غاب من الخطاب التفاصيل الخاصة بسياسات داخلية أو خارجية، يعتزم الرئيس اتخاذها، وميله بدلاً من ذلك للعموميات.

فالعالم الذي تحدث عنه ترامب، مليء «بالدول المارقة والإرهابيين». وهو عالم فيه من «الخصوم»، مثل روسيا والصين، من لم يذكر ماهية سياسة إدارته بالضبط تجاه أي منهما. أما كوريا الشمالية، التي تحدث عنها مطولاً، فلم يقدم الخطاب بخصوصها جديداً.

ومثلما فعل ترامب في مجال السياسة الداخلية، فدعا الأميركيين لتخطى الخلافات، بينما استخدم خطابه مفردات شديدة الجدلية، خصوصاً تجاه الأقليات، فإنه، في مجال السياسة الخارجية أيضاً، تحدث عن «صداقات» دولية لم يسمها، تسعى بلاده «لتقويتها»، بينما تحدث مطولاً عن اتفاقات التجارة «الظالمة» لأميركا.

والولايات المتحدة لا تعقد اتفاقات للتجارة مع الخصوم والأعداء، وإنما مع الحلفاء والأصدقاء، وهى الاتفاقات التي وصفها بأنها «استسلام اقتصادي انتهى عصره». بل إن ترامب لم يفرق بين صداقة الدول وبين التبعية.

فهو قدم تعريفاً فريداً لمعنى الصداقة، حين دعا الكونغرس لمعاقبة الدول التي صوتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ضد قراره بنقل السفارة الأميركية للقدس، بحيث «تخدم دولارات المساعدات الاقتصادية دوماً، المصلحة الأميركية، وتذهب لأصدقاء أميركا وحدهم». بعبارة أخرى، اعتبر ترامب أن أي دولة تختلف مع الولايات المتحدة في أي محفل دولي، لا تصبح «صديقة» لأميركا.

ومما له دلالته البالغة، أنه بينما لم يذكر ترامب بالاسم أياً من حلفاء أميركا الأهم، كبريطانيا، فإن الحليف الوحيد الذي ذكره بالاسم، كان إسرائيل. وحتى في هذا الصدد، فقد جاء ذكر إسرائيل في معرض معاقبة خصومها. وقد كان مستغرباً حقاً، ألا يأتي ذكر أوروبا مطلقاً في خطاب ترامب.

وأميركا في خطاب ترامب، لا يمكنها أن تأمن جانب العالم الذي لا يضمر لها الخير، ولا يسعى إلا لاستغلالها، مرة عبر سياسات اقتصادية وتجارية «غير عادلة»، ومرة عبر الهجرة، التي استخدم في إطارها ترامب خطاباً مناهضاً، حتى للحكاية التي تعشق أميركا البيضاء أن تحكيها عن نفسها.

فالولايات المتحدة مولعة بتعريف نفسها، بأنها «أمة من المهاجرين»، الذين جاؤوا إليها، بحثاً عن حياة أفضل، يحققون من خلالها كل ما يصبون إليه، عبر الجهد والاجتهاد. وهو ما يطلق عليه «الحلم الأميركي».

وحكاية «أمة المهاجرين» تلك، ليست دقيقة، لأسباب كثيرة، على رأسها أنها تلغى بجرة قلم حقائق تاريخية لا يمكن إغفالها، وهي أن هناك من الأميركيين من وصلوا لها قسراً في أغلال، ليتم استعبادهم، أي الأميركيين من أصول أفريقية. ومن بينهم أيضاً من لم يهاجروا لها أصلاً من أي مكان، وإنما كانوا موجودين فيها قبل مجيء المستوطنين من أوروبا، أي الأميركيين الأصليين.

ورغم أن حكاية «أمة المهاجرين» تلك، من الروايات التي تختلط فيها الوقائع بالأساطير، إلا أنها لها وظيفة مهمة، مثل وظيفة كل الروايات المشابهة لدى مختلف الشعوب. وموقف ترامب من الهجرة، يصطدم مباشرة بتلك الرواية، ويتسق مع جانب آخر مظلم من التاريخ الأميركي، ناصب فيه البيض العداء لكل مجموعة من المهاجرين الجدد وطئت أقدامهم الأرض الأميركية.

فترامب اعتبر الهجرة تجلب لأميركا الجريمة، وتسرق الوظائف من أبنائها. وهو دعا لتحصين الحدود الأميركية، عبر بناء الجدار العازل مع المكسيك، ووضع قيود على الهجرة القانونية لا فقط غير الشرعية.

غير أن المفارقة الأكبر في خطاب الاتحاد، كانت في ما أطلق عليه ترامب «اللحظة الأميركية الجديدة»، التي هي فترة رئاسته، والتي قال عنها إنه «لم يأتِ أفضل منها كي تعيش الحلم الأميركي». وجوهر المفارقة، أن ترامب في بقية الخطاب، فرغ ذلك الحلم من محتواه.

فالحلم الأميركي يقوم في جوهره على حكاية الأمة، التي هي كلها من «المهاجرين». فالأصل في الحكاية، أنهم يذهبون لأميركا لتحقيق ذلك الحلم، ومضمونه، أن بإمكانك أن تبدأ من الصفر، وتحقق أي شيء تريده في أميركا. ومن هنا، لم يكن واضحاً عن حلم من بالضبط يتحدث الرئيس الأميركي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات