أربعون عاماً على زيارة السادات إلى القدس

تمر القضية الفلسطينية بأصعب مراحل تاريخها بعد أن فقدت آخر أوراقها المتمثلة بالمسيرة السلمية. والسبب يعود إلى اختلال ميزان القوة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. فإسرائيل تعتمد على قوتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والدعائية إضافة إلى ترسانة سلاح هي الأقوى في المنطقة بما فيه السلاح النووي والذي يقدر بأربعمئة رأس نووي كافية لتدمير المنطقة برمتها.

وحالة تراجع القضية الفلسطينية لها محطات تاريخية كثيرة. ولعل أهم هذه المحطات رحلة السادات إلى القدس قبل أربعة عقود، وما تلاها من صلح منفرد مع إسرائيل استطاعت مصر من خلاله استعادة أرضها المحتلة ولكنها انعزلت، لفترة، عن محيطها العربي.

إضافة إلى ذلك فإن السلام مع إسرائيل لم يحل جوهر الصراع العربي-الإسرائيلي ألا وهو القضية الفلسطينية إلى يومنا هذا، بل قد يقول البعض إن الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل أدى إلى عرقلة المسيرة السلمية الشاملة في المنطقة، وأدى الصلح المنفرد إلى زيادة التغوّل الإسرائيلي بالتمدد وضم الأراضي العربية المحتلة كما حصل في إعلان ضم القدس في العام 1980، والجولان بعده بعام، وغزو لبنان مرتين في العام 1978 والاكتساح الكامل واحتلال بيروت في العام 1982.

ورغم أن زيارة الرئيس أنور السادات كانت درامية من ناحية الإخراج إلا أن صيرورتها كانت مبنية على استراتيجية بعيدة المدى، فبعد الانتصار الذي حققته مصر في حرب 1973، أدرك السادات أنه لا يمكن استرداد الأراضي المصرية، ناهيك عن أية أراض عربية أخرى بالوسائل العسكرية، وإن الولايات المتحدة لم ولن تسمح بهزيمة إسرائيل حتى إذا أدى إلى إشعال حرب كونية.

وقد برهنت واشنطن على مدى التزامها بدعم إسرائيل، حيث أقامت جسراً جوياً لإمداد السلاح لإسرائيل بعد تراجعها في بداية الحرب، ووضعت كل ثقلها الدبلوماسي وراء إسرائيل لتمكنها من التقدم في الحرب بعد تمكن الأخيرة من إحداث اختراق حاصرت فيه الجيش الثالث المصري.

وقد أدى هذا الإدراك لدى السادات إلى تغير في الاستراتيجية لمواجهة إسرائيل واسترداد أراضي سيناء المحتلة، وقد اقتنع السادات أن 99% من مفاتيح الحل بيد الولايات المتحدة، وأن الحليف السوفييتي لا يمتلك القوة الموازنة للولايات المتحدة، وحتى وقبل أن تبدأ الحرب، فقد خفّض السادات علاقاته بالسوفييت وأمر كثيراً من خبرائهم ومستشاريهم بمغادرة مصر، دون أن يطلب مقابل لذلك من واشنطن.

وقد أسر السادات بهذا التغير الاستراتيجي لوزير الخارجية الأميركية حينها هنري كيسنجر، عندما كان يفاوض الأخير في اتفاقية فض الاشتباك بين القوات المصرية والإسرائيلية في العامين 1974-1975، وأعلن السادات أنه رجل استراتيجي وأن كيسنجر كذلك رجل استراتيجي وعليهما أن يتكلما في هذه الأمور المهمة وليس في أمور تكتيكية، وقد تفاجأ الوزير الأميركي بهذا العرض الذي سيضمن دخول مصر في حلف واشنطن لمكافحة الوجود السوفييتي في المنطقة.

وبعدها شرع السادات في تفكيك الإرث الناصري والاشتراكي في مصر بإعلانه سياسة الانفتاح وتقاربه من الدول الصديقة للولايات المتحدة، وقد كان الحدثان مهمين في العام 1977، وفي يناير بالذات، تأثير مهم في زيارة السادات للقدس والبحث عن سلام مع إسرائيل.

ففي 18 من يناير 1977، خرجت تظاهرات حاشدة في عدة مدن مصرية ضد إجراءات التقشف ورفع أسعار السلع الأساسية. وتطور الوضع للتنديد بالنظام والمطالبة بإسقاطه. وبعد التظاهرات ويوم 20 يناير تحديداً، توج الرئيس جيمي كارتر رئيساً للولايات المتحدة، والذي سبق وأعرب عن أمنياته بحل للصراع العربي-الإسرائيلي وإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم أن الإعداد للرحلة قد بدأ قبل هذين الحدثين، إلا أن التهديدات التي واجهها النظام السياسي في «ثورة الخبز» ووجود رجل في البيت الأبيض يرحب بإحلال السلام بين العرب والإسرائيليين لابد أنهما شجّعا السادات على المضي في مسيرة الرحلة التاريخية إلى القدس.

ثم كان الخطاب الشهير في مجلس الشعب والذي قال فيه الرئيس السادات ‏«ستُدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم»، وقد حضر الخطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات والذي صفق بحرارة لهذا الإعلان.

ويقول الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل إن وزير الخارجية إسماعيل فهمي طلب حذف عبارة الزيارة إلى القدس لأن الرئيس لم يقصدها اللهم من باب المبالغة في الرغبة للسلام، ولكن يبدو أن الرئيس كان يعي ويعني ما يقول، وعندما تيقن الوزير إسماعيل فهمي قدم استقالته محتجاً على الزيارة المزمعة.

ورغم ترحيب إسرائيل ودعوة رئيس الوزراء، حينها مناحيم بيغن، للسادات بزيارة القدس، إلا أن بيغن أعلن صراحة أن إسرائيل لن ترجع إلى حدود يونيو 1967 ولن تقبل بدولة فلسطينية ولن تتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، ورغم ذلك لم يتراجع السادات عن الذهاب إلى القدس.

ولعل السادات أدرك أن الصلح المنفرد مع إسرائيل مردوده أعلى من لو أنه ارتبط بالقضية الفلسطينية، لأن إسرائيل، والليكود بالذات، متمسكة بأراضي الضفة كأراض يهودية مقدسة وليس هناك عاطفة دينية - قومية تجاه سيناء، وتحييد مصر في الصراع يفتح الباب على مصراعيه لتهويد القدس والضفة الغربية، وهذا ما حصل فعلاً منذ هذه الزيارة.

 

 

تعليقات

تعليقات