فوضى التحالفات السياسية في العراق

الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها بالعراق في مايو المقبل تثير الكثير من الإشكالات على أكثر من محور على خلاف سابقاتها، فليس هناك إجماع على إجرائها في موعدها بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها عدد من المدن والمناطق التي كانت تحت احتلال تنظيم داعش.

بلغ عدد الأحزاب والتيارات السياسية التي سيحق لها التنافس في الانتخابات مائتين وخمسة كيانات بعد أن حصلت على موافقة المفوضية العليا للانتخابات عند إغلاق باب الترخيص في الخامس عشر من ديسمبر المنصرم.

إلا أن معظمها لن يخوض الانتخابات منفرداً، فقد دخل مائة وثلاثة وأربعون منها في تحالفات بلغ عددها سبعة وعشرين تحالفاً عند انتهاء موعد التسجيل لدى المفوضية في الحادي عشر من يناير الجاري.

ولم تخلُ عملية تشكيل هذه التحالفات من تدخلات خارجية لا تزال أوضاع العراق تسمح بها. تشكيل هذه التحالفات خيار لا بديل له، إذ ليس هناك حزب له حضور قوي يسمح بخوض الانتخابات منفرداً، فبعض رؤساء هذه التحالفات قد دخل الحلبة الانتخابية بأجزاء من حزبه كما هو الحال مع العبادي والمالكي اللذين ينتميان لحزب واحد، حزب الدعوة.

جميع التحالفات بلا استثناء تتسم بالهشاشة والجهوزية للتفكك فهي ليست حول المبادئ، كما أن علاقة المرشح نفسه بقاعدته الانتخابية هي الأخرى هشة طارئة تفتقر إلى التواصل الطويل.

انخراط هذا العدد الكبير من الكيانات في التحالفات يلقي بعض الضوء على مآلات العملية الانتخابية ويكشف أيضاً عن مدى جدية التزام رؤسائها بما سبق أن قطعوه من وعود بانتهاج سياسات عابرة للطائفية واتخاذ إجراءات صارمة ضد الفساد.

ظاهرة تشكيل التحالفات قبل الدخول في الانتخابات تعكس أزمة النظام السياسي، فالعملية السياسية في العراق لم تستطع على مدى خمسة عشر عاماً أن تصنع واقعاً يسمح بظهور بضعة أحزاب بقيادات لها رؤى متميزة قادرة على فرض نفسها.

الوسط السياسي العراقي يسوده التفكك فلم يعد كل من التحالف الوطني وتحالف متحدون يحرص على البقاء موحداً ولم يعد التحالف الكردستاني متماسكاً بعد الأحداث التي شهدها الإقليم إثر استفتاء الانفصال.

التشتت والارتباك هو سيد الموقف بسبب التغيرات التي طرأت على معادلات التوازن في المنطقة والتغيرات في الواقع المحلي الذي اتسم بتفكك التحالفات الكبيرة وانشقاقات في بعض الأحزاب السياسية وظهور قيادات جديدة أفرزتها الإخفاقات المستمرة للنخب السياسية والحرب على تنظيم داعش. ويمكن القول بأن الاتجاه نحو التمسك بخيار التخندق الطائفي قد تراجع بعض الشيء، ظاهرياً على الأقل.

وترجمت بعض القوى ذلك بتحالفات تجاوزت الانتماءات الطائفية استجابة لنبض الشارع العراقي الذي لم تكن الاصطفافات الطائفية جزءاً من ممارساته السياسية، كما لم يجد زعماء سياسيون بعمامات وعباءات دينية ضيراً في التقارب مع قوى مدنية علمانية. إلا أنه ليس هناك ما يستبعد العودة إلى التخندق الطائفي بعد الانتهاء من الانتخابات لاختيار الرقم واحد في العملية السياسية.

الانتخابات عملية تنافس بين الأحزاب والكيانات السياسية للوصول إلى سدة الحكم لتنفيذ برامجها الانتخابية التي حصلت بموجبها على ثقة الناخب. هذا من الناحية النظرية التي لا تنطبق على الحالة العراقية، فمع أن رئاسة الوزارة كانت من نصيب حزب الدعوة على مدى الثلاث عشرة سنة المنصرمة إلا أن أياً من الثلاثة الذين تعاقبوا على تولي هذا المنصب لم يتمكن من تنفيذ برنامج الحزب بسبب طبيعة العملية السياسية المبنية على التوافق التي لا تسمح بتنفيذ برنامج سياسي خاص بالحزب حتى لو كان له الأكثرية في المجلس النيابي.

الصورة المتوقعة بعد الانتخابات القادمة لن تختلف كثيراً، فقد نزلت معظم القوى السياسية لمسرح الانتخابات على هيئة تحالفات يضم بعضها عشرات الكتل السياسية .

وهو ما يلغي بكل تأكيد وجود برامج تحمل نكهة حزبية متميزة بل ستكون مجرد خطوط عامة مشتركة لدى جميع المتنافسين مما يفقد العملية الانتخابية فحواها ليصبح التصويت ليس على البرامج السياسية، بل على مدى مقبولية هذا المرشح أو ذاك في ضوء ما استطاع بأدائه، كفاءة أو نزاهة، من نيل ثقة الناخب وهما صفتان طالما شهدنا ضعف حضورهما في الوسط السياسي العراقي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات