كأس العالم 2018

الانتخابات الرئاسية بعد الثورات

الانتخابات الرئاسية الثانية بعد الثورات هي في العادة الأكثر أهمية لأن فيها يتبين مدى صلابة القاعدة التشريعية من دستور وقوانين منظمة، ولأن الانتخابات الأولى تكون متأثرة بالثورة وأبطالها الذين يدخلون للمعركة الانتخابية دون منافس تقريباً.

جورج واشنطن فاز بالانتخابات الرئاسية الأولى دون منافسة تقريباً بعد أن قاد ثلاث عشرة ولاية أميركية إلى الاستقلال عن بريطانيا من ناحية، وتكوين دولة فتية من ناحية أخرى.

وحمل الرجل هذا الانجاز مرة ثانية إلى قيادة السفينة الأميركية رغم أن شعبيته بدأت في التآكل نتيجة الخلاف على إنشاء البنك الفيدرالي، وعلى ما يجب عمله مع الولايات الجديدة وانضمامها إلى الاتحاد الوليد، والظروف الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن سنوات الحرب والخلاف بين الولايات الحرة من العبيد، وتلك التي استمرت معتمدة للعبودية.

بعد جورج واشنطن لم تعد الانتخابات الرئاسية الأميركية سهلة، وبات التنافس فيها شديداً، فلم يفز جون آدامز إلا بفترة واحدة، أما توماس جيفرسون فقد فاز بعده بعد منافسة قاسية.

نيلسون مانديلا لم يختلف عليه أحد، وعلى أية حال فإن الرجل قرر عدم الدخول إلى المنافسة لفترة ثانية، ربما لكي يكون رئيس الرؤساء حتى نهاية حياته، ولكن ما جاء بعده لم يعد سهلاً ولا سلساً فقد أصبحت المنافسة قاتلة، والشهادة قائمة هذه الأيام في جنوب أفريقيا.

في مصر فإن الانتخابات الرئاسية لدورة ٢٠١٤ كانت خالية من المنافسة، وفاز الرئيس عبد الفتاح السيسي بنسبة ٩٦٪ على منافسه الأستاذ حمدين صباحي لأنه كان المنقذ من حكم الإخوان، والرجل الذي أعاد الاستقرار لمصر بعد فترة عصيبة.

الآن ومع الدورة الرئاسية الثانية بعد ثورة يونيو، وإقرار دستور ٢٠١٤، فإن مياهاً كثيرة مرت تحت الجسور ربما كان أهمها أن «الخطر» لم يعد هو الحاكم الوحيد للانتخابات المصرية، وبعد أن بات «الأمل» في حياة أفضل برنامجاً متاحاً للمرشحين للتنافس حول كيفية الوفاء بوعوده.

المدهش أن المرشحين «المحتملين» ركزوا كثيراً على حجم «المعاناة» التي يعيشها المصريون نتيجة البرنامج الذي يطبقه الرئيس السيسي والحكومة المصرية لخروج مصر من أزماتها واللحاق بالعالم المعاصر.

وحتى الآن لم يقدم أحد منهم برنامجه المتكامل الذي لا يقتصر على التأوهات والأنين، وإنما يتضمن مساراً وطريقاً مختلفاً لما سرنا عليه ومضينا فيه. السائد في الدول المختلفة، ومصر ليست استثناء، أن الرئيس الموجود في السلطة يكون أكثر تعرضاً وانكشافاً من المرشحين الساعين إليها لأن لديه تجربة وتطبيقات متاحة للجميع نقداً وقدحاً.

وفي الحالة المصرية فإن الرئيس السيسي لديه «رؤية مصر ٢٠٣٠»، ولديه أربع سنوات بدأت بإنعاش الاقتصاد المصري، ثم دخلت في برنامج واسع للبنية الأساسية، وتداخل معها برامج لإصلاح التعليم والصحة، والمراجعة للقوانين والتشريعات وفي المقدمة منها ما خص الاقتصاد وإدارة الدولة.

وحتى الآن فإن المنافسة تبدو جزئية للغاية، تركز على مشروعات بعينها مثل العاصمة الإدارية، دون أن تضعها في إطارها العام الخاص بالبيئة العمرانية للبلاد سواء تلك التي تنشأ في شكل مدن جديدة، أو إنعاش وبعث المدن القديمة من جديد، وتحويل مصر من دولة نهرية إلى أخرى بحرية، وكسر الحواجز القائمة ما بين الوادي وسيناء.

حتى الآن فإن المنافسة تجري حول برنامج يفعله الرئيس السيسي وحكومته، ولكنها لا تطرح ما يريد مرشح محتمل فعله أو عدم فعله، وليس بمثل هذه الطريقة يمكن الفوز في الانتخابات خاصة لو كان الشعب المصري يريد أن يرى أيضا ولا يسمع فقط عن برامج لا تقول لنا كيف ستقيم ما هو أفضل مما هو قائم.

بالطبع فإن أحداً لا يطرح، ولا ينبغي أن يطرح، أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولكن الانتخابات عامة، والرئاسية خاصة في الدول الناضجة، هي بين مناهج وبرامج وسياسات.

الانتخابات عامة والرئاسية خاصة ليست تنافساً فقط بين مرشحين وبقية الشعب ليس لديه إلا المشاهدة لما يطرحه الأطراف من أعاجيب القول. في أقرب الانتخابات التنافسية في مصر والتي جرت في عام ٢٠١٢ بين ١٣ مرشحاً للرئاسة فإن الشعب المصري وقف مدهوشاً وهو يرى كافة المرشحين يحققون كل الأهداف والأحلام المصرية في غمضة عين أو عند التواضع في المائة يوم الأولى من تولي الرئاسة.

النتيجة أن استطلاعات الرأي العام التي قام بها مركز الأهرام ومركز بصيرة أعطت السبق للسيد عمرو موسى والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وهما من جرت بينهما أول وآخر المناظرات السياسية في مصر.

جاءت الانتخابات بنتيجة مخالفة حيث كانت الجولة الأخيرة من الانتخابات ما بين د. محمد مرسي والفريق أحمد شفيق، فلم يكن من جاءوا في الأول والآخر من شباب الثورة، وكانوا بشكل أو آخر من المؤسسة التي كانت في الحكم أو في المعارضة وأكثرها رجعية وتخلفاً.

الخلاصة أن الانتخابات الرئاسية المصرية هي لحظة اختبار جديدة على مدى النضج الذي وصلنا إليه، والنضج في الدولة والحكم اللذين عليهما إدارة الانتخابات، والنضج للشعب الذي سوف ينتخب. كل ذلك يحتاج كثيراً من التفكير والمراجعة في الفترة القادمة.

 

 

تعليقات

تعليقات