الفلسطينيون وتحدي الضغوط المالية

قطعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب شوطاً معتبراً، على طريق استخدام الأدوات الاقتصادية، المالية منها بخاصة، في محاولة إكراه الدول على الانصياع لسياسات واشنطن وتكييفاتها، داخل المؤسسات الدولية وخارجها.

وفي إطار معالجتها للشأن الفلسطيني، لم تلجأ هذه الإدارة إلى أي شكل من أشكال اللياقة وزخرف القول، وهي تنذر الأصدقاء والخصوم على حد سواء، بإمكانية حجب المساعدات عنهم إن هم أبدوا عصيانهم ورفضوا قرارها المنكود حول مصير القدس.

ومع أن ترامب بادر بالإفصاح عن العداء للفلسطينيين، بما أكرههم على لفظ الوساطة الأميركية في تسوية قضيتهم، إلا أنه هدّدهم بوقف العون المالي لهم باعتبارهم «ما عادوا يريدون التفاوض على السلام مع إسرائيل». هكذا تبجح حرفياً وبراءة الرؤساء في عينيه!.

وقد ذهبت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، إلى درك أسفل على خطى رئيسها في التلويح بعصا المال، حين أنذرت بأن بلادها «سوف توقف تمويلها لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين (أونروا)، إلى أن يعود الفلسطينيون للتفاوض».

لا مفاجأة على الإطلاق في أن يكون الطرف الفلسطيني على رأس المرشحين للوقوع تحت الأضراس المالية الأميركية. المفاجأة الحقيقية هي ألا يكون هذا الطرف قد تحسب لمثل هذا الإجراء، بين يدى مناطحة السياسة الأميركية في ظل إدارة كإدارة ترامب وبطانته. ويندرج تحت باب المفاجآت أيضاً، اعتقاد الحلف الأميركي الإسرائيلي بأن الفلسطينيين سيرضخون لضغوطاته، أو أنهم سيمنحون المسألة الاقتصادية المالية الأولوية على المسألة الحقوقية السياسية.

ألا تعلم واشنطن وتل أبيب أن الفلسطينيين إذا طأطأوا لفكرة «القدس مقابل المال»، فإنهم لا يأثمون فقط في حق أنفسهم وقضيتهم العادلة، وإنما يخونون أيضاً كل القوى التي تحدت قرار واشنطن، ولم تعبأ بابتزازاتها داخل أروقة الأمم المتحدة وخارجها، وآثرت الوقوف خلف المبادئ والمثل الحقوقية والسياسية والأخلاقية؟.

يجادل بعض أصحاب المواقف المائعة بأن احتمال إذعان الفلسطينيين تحت وطأة العوز الاقتصادي، ليس بدعاً من ظاهرة شبه عالمية تعتور دولاً قائمة على سوقها وترغمها في بعض الأحايين على القبول بما يجرح سيادتها.

لكن ما يفوت هذا الطرح أن مثل هذه المساومة لا تنطبق البتة على الحالة الفلسطينية، طالما كان التنازل المطلوب أكبر من أن تحتمله الأهداف الوطنية على صعيدي التحرر والانعتاق وإقامة الدولة وعاصمتها القدس. متوالية الخضوع والإذعان هنا تعني إماتة القضية وليس مجرد إيلامها فقط.

لا تواجه الضغوط الأميركية في حالتنا هذه بالانبطاح، وإنما بانتباه الغافلين مجدداً؛ وللمرة الألف، إلى ضرورة تغطية كعب آخيل أو العصب الاقتصادي العاري فلسطينياً. وهذا أمر ممكن عبر وصفة من شقين: استراتيجية فلسطينية جادة وحاذقة للفكاك من الاعتمادية المالية المفرطة، والتزام عربي حقيقة بالقرارات ذات الصلة بما يعرف بشبكة الأمان والإسناد المالي للسلطة الوطنية الفلسطينية.

من بين ما يتداوله البعض في هذا السياق، أن الإنفاق العسكري للدول العربية، طبقاً لبيانات صندوق النقد العربي، بلغ خلال السنوات الخمس الأخيرة أكثر من 800 مليار دولار.. ومن المعلوم أن الموازنة الفلسطينية العامة لعام 2017 تقترب برمتها من 4.5 مليارات دولار.

هذا يعني أن تخصيص ما يزيد قليلاً على عشر النفقات العربية السنوية على بند مالي واحد، هو مشتريات السلاح، يكفي لمنع القضية الفلسطينية من الوقوف على أبواب المانحين والارتهان لمراداتهم.

وإذا ما تواكب مثل هذا الدعم مع آلية عربية للرقابة والمتابعة والترشيد، ومع التزام وانضباط فلسطيني صارم وشفاف بمفهوم الاقتصاد المقاوم، فلربما نجت «قضية العرب الأولى» من سيف المنح والمنع المسلط على رقبتها.

هذا نمط واحد من التفكير والتدبر الإيجابي في كيفية الاستجابة للتحدي المالي الضاغط على الطرف الفلسطيني. والمتصور أن توسيع دائرة البحث والتحري في الإطار ذاته، سيفضي حتماً إلى العثور على نتيجة مرضية وخلاقة.

 

 

تعليقات

تعليقات