موغابي آخر الزعامات الأفريقية

من الراجح القول إن الرئيس الزيمبابوي المستقيل روبرت موغابي، هو آخر الزعامات الأفريقية الكبرى. وقد تأخر موغابي عن أترابه الأفارقة جيلاً كاملاً، حيث وصل الزعماء الكبار إلى سدة الحكم بعد استقلال بلادهم في الستينيات من القرن العشرين. بينما قاد موغابي بلاده إلى الاستقلال في عام 1980.

ومن أبرز هذه الزعامات الأفريقية، والتي ارتبط اسمها باسم بلادها، وكانت فعلاً الأب المؤسس لهذه البلدان، يوليوس نيريري، والذي حكم تنزانيا بعد أن قاد تنغانيقا إلى الاستقلال في عام 1961، وفي عام 1964، ووحدها مع جزيرة زنجبار وسميت تنزانيا. وقد وشم البلاد بفلسفته حول الاشتراكية الأفريقية، أو ما اسماه يوجاما.

وينطبق نفس الشيء على الجارة كينيا، والتي قاد فيها النضال جومو كينياتا (والد الرئيس الحالي اهورو كينياتا)، ضد الاستعمار البريطاني، ومن أجل الاستقلال. وقد عانى كينياتا الأمرين على يد المستعمر البريطاني، وسجن لاتهامه بالاشتراك في تمرد الماو ماو. ولكن بخلاف تنزانيا، اتبع كينياتا خطاً تصالحياً مع الغرب، ونهجاً رأسمالياً في التنمية الاقتصادية، مع الحفاظ على سيطرة المواطنين الكينيين على مفاصل الاقتصاد الوطني.

ومن شرق أفريقيا إلى غربها، حيث برزت زعامات مهمة، كان لها تأثير كبير في تطور بلدانها وفي القارة الأفريقية برمتها، مثل كوامي نكروما زعيم غانا، والذي أطبقت شهرته الآفاق. وفيليكس هفويه بوانيه في ساحل العاج، والذي راهن نكروما على صحة نهجه الاقتصادي الحر. وكذلك الزعيم والشاعر والمفكر العالمي ورئيس السنغال، ليوبولد سنغور. ورغم أنه كاثوليكي، فقد انتخبه الأغلبية المسلمة في السنغال لخمس مرات متواصلة (1960-1980)، وبدعم من الطرق الصوفية في الريف السنغالي. وفي غربي أفريقيا، برز الزعيم أحمد سيكو توري، والذي قاد بلاده نحو الاستقلال، ثم نحى به إلى الاشتراكية والتحالف مع المعسكر السوفييتي.

أما الجنوب، فكان أكبر زعمائه كينيث كاوندا، والذي قاد بلاده زامبيا إلى الاستقلال في عام 1964. والمناضل الكبير نيلسون مانديلا، والذي أنهي حكم الفصل العنصري لجنوب أفريقيا، وأصبح زعيماً عالمياً وإنسانياً يضرب به المثل، ويحظى باحترام عالمي منقطع النظير.

وتميز هؤلاء الزعماء الكبار، عن نظراهم من رؤساء أفريقيا، والذين أتوا على ظهر دبابة، بخصائص تجعلهم فرائد. الأول، أنهم قادوا شعوبهم نحو التحرر والاستقلال. ثانياً، تمتع الزعماء الكبار بشرعية تاريخية وسياسية، وحظوا بشعبية كبيرة بين الجماهير. ثالثاً، وبسبب طول مدة حكمهم، طبعت شخصياتهم توجهات بلدانهم بشكل وثيق، وتضافر فكرهم مع الأيدلوجية الوطنية للدولة. ورابعاً، رغم وطنيتهم الشديدة، إلا أنهم تميزوا بمنظور أفريقي واسع، وتضامن مع قضايا العالم الثالث.

وأخيراً، حينما أدرك الزعماء بضرورة التغيير، لم يقفوا عقبة، بل قادوا المرحلة الانتقالية بثبات وسلاسة، وبمسؤولية وطنية عالية. وبالتالي، جنبوا بلدانهم عواقب وخيمة، كحالة الصومال وزائير.

لم يخلُ هؤلاء من عيوب، وكثير منهم مارس الديكتاتورية ونظام الحزب الأوحد. وقد شاب نظامهم كثير من الفساد والمحسوبية. ويلام الكثير منهم بخروق حقوق الإنسان وتردي الأوضاع الإنسانية والإنمائية.

ورغم ما يقال عن موغابي وفساد حكمه، إلا أن تاريخه النضالي ضد نظام الفصل العنصري في روديسيا، مشهود له. وكفاحه السياسي الذي أدى به إلى السجون والمعتقلات، وتعرض موغابي إلى تعذيب جسدي ونفسي أثناء الاعتقال. وخلال فترة سجنه من 1963 إلى 1975، وصلت إلى الحكم في روديسيا الجبهة اليمنية المتطرفة، بقيادة أيان سميث، والتي أصرت على استمرار حكم الأقلية البيضاء، وطالبت بالاستقلال عن بريطانيا.

ولكن رفض بريطانيا لمطالب الأقلية البيضاء في روديسيا، دفع حكومة أيان سميث بإعلان الاستقلال من طرف واحد في عام 1964. ولم تعترف بريطانيا بإعلان الاستقلال من قبل حكومة نظام الأقلية. وقد تزايدت أعمال العنف العرقية بسبب توجه حكومة سميث، وعدم قبولها بمشاركة السود في حكم البلاد. وبعدها شهدت روديسيا حرب عصابات من قبل منظمات مسلحة.

وبعد خروج موغابي من سجنه، غادر البلاد إلى موزمبيق، ليتزعم جبهة الاتحاد الأفريقي لزيمبابوي، والتي قادت حرب العصابات مع شقيقتها الاتحاد الأفريقي الشعبي لزيمبابوي، بقيادة جاشو نكوما. وقد بدأ توجه موغابي والجبهة، يتخذ مواقف أكثر راديكالية، وتبنت الماركسية، وتحالفت مع الدول الشيوعية، والتي كانت الداعم الأكبر لحركة التحرر الوطني الزيمبابوية.

وأعلنت بريطانيا استعدادها للاعتراف باستقلال روديسيا، إذا ما تحولت إلى دولة ديمقراطية غير عرقية. ورعت لندن محادثات لانكستر بين الحكومة الروديسية والمقاتلين الأفارقة. ولم يكن موغابي يرغب في دخول مفاوضات مع النظام، ولكنه أجبر من قبل حلفائه، وكان يصر على هزيمتهم عسكرياً.

وتمخض عن المفاوضات حل حكومة الأقلية البيضاء، والدعوة لانتخابات عامة. وتعهدت الأطراف المناوئة للحكومة باحترام الحقوق السياسية للأقلية البيضاء، والحفاظ على ممتلكاتهم الخاصة، لا سيما الأراضي التي استولوا عليها في الحقبة الاستعمارية. وأصر موغابي على أن تتعهد كل من بريطانيا والولايات المتحدة بالمساعدات المالية، حتى يتسنى للحكومة الوطنية شراء الأراضي من البيض، وتوزيعها على الأغلبية السوداء.

وقد اكتسب موغابي شعبية كبيرة، كبطل الاستقلال، ولكن للأسف، أضاع رأسماله السياسي في غروره وتسلطه الشخصي. وقد عبّر أحد المختصين في الشأن الأفريقي قائلاً: «قبل عقد من الزمن، كان بإمكان موغابي أن يكون مانديلا، ولكنه اختار أن يكون مابوتو، رمز الفساد والتسلط في أفريقيا».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات