قرار إنهاء الصحوة

للتيارات الحزبية ألاعيب كثيرة لاجتذاب الجماهير نحو أيدولوجياتها ومشاريعها السياسية، ومنها إطلاق المصطلحات الرنانة، لتكون كالستار لأفكارها، وأدوات تجميل لها، ومن هذه المصطلحات، التي انتشرت وعمَّت الساحة الحركية الحزبية «الصحوة الإسلامية».

انتشر هذا المصطلح في ثمانينيات القرن الماضي، مرتبطاً بالتيارات الحزبية والطائفية، وبمفردات متطرفة روجت لها، وبالأخص تيار الإخوان وما انبثق عنه والتيار الخميني، فالإخوان اعتبروا أن منشأ الصحوة الإسلامية من حسن البنا في الثلاثينيات، وأن انتشارها لاحقاً كان على يد تلاميذ حسن البنا وسيد قطب والمودودي، ونجد أن استعمال مصطلح «الصحوة الإسلامية» بدأ على يد التلمساني المرشد الثالث للإخوان في النصف الأول من الثمانينيات، ثم انتشر على يد من بعده، وأما مصطلح «الصحوة» فنجده في بعض كتب حسن البنا وسيد قطب.

وقد انبثق عن التيار الإخواني تيارات أخرى دعمت هذا المصطلح، مثل التيار السروري، الذي أصبح له رموز حركيون يتغنون بمصطلح الصحوة الإسلامية، ومنهم سلمان العودة، الذي اعترف في أحد برامجه بأن هذه الصحوة هي نتاج الإخوان المسلمين، وخاصة ما ينتمي إلى فكر سيد قطب، وكان للإخوان والسروريين الدور الكبير في نشر هذا المصطلح ومخرجاته في الخليج.

كما انبثق عن التيار الإخواني الحركات المسلحة، التي استخرجت من مصطلح «الصحوة الإسلامية» مصطلحاً آخر وهو «الصحوة الجهادية»، فها هو أبومصعب السوري أحد أبرز منظري تنظيم القاعدة يقول: «انبثقت الصحوة الجهادية عن الصحوة الإسلامية التي ابتدأت عام 1930- أي بظهور الإخوان، وكان من أعظم فضل تلك الصحوة ولادة الحركات الجهادية المسلحة من رحمها»، وقال: «معظم الجماعات الجهادية الحركية انبثقت عن الصحوة الإسلامية، وحملت مؤثرات فكر الإخوان بالإضافة إلى فكر سيد قطب والمودودي»، وكان من أبرز من نشر مصطلح الصحوة الإسلامية وإفرازاتها في أفغانستان الإخواني عبد الله عزام، وانتشر في العالم الإسلامي على يد رموز التيارات الحزبية كالقرضاوي وغيره.

ومن جهة أخرى ارتبط هذا المصطلح ارتباطاً وثيقاً بالخميني، الذي تبنى مبدأ تصدير الثورة، ويعتبر الخمينيون أن الثورة الإيرانية هي التي أفرزت الصحوة الإسلامية في الثمانينيات، وألهمت التيارات الأخرى المنتشرة في العالم الإسلامي، ومع مطلع الربيع العربي وارتفاع موجة التيارات الحزبية عمل الخمينيين على استقطاب هذه التيارات، ومحاولة مسك زمام قيادتها، فافتُتح في طهران في سبتمبر 2011 المؤتمر الدولي الأول للصحوة الإسلامية برعاية وحضور خامنئي ومستشاره علي أكبر ولايتي والقيادي في حزب الله نعيم قاسم وكوادر من الحركات الإسلامية، وسعت إيران من خلال هذا المؤتمر لتزعم هذه التيارات، فقد ذكر ولايتي في كلمته بأن التطورات في المنطقة هي استمرار لأفكار الخميني، واصفاً إياه بالمجدد الإسلامي والمبشر بظاهرة الصحوة الإسلامية، ووصف نعيم قاسم الخميني بأنه إمام الصحوة، وأن المنعطف الحقيقي للصحوة حصلت مع الخميني، وأن حزب الله وليد الصحوة الإسلامية، وجاء في البيان الختامي للمؤتمر بأن انتصار الثورة في إيران بقيادة الخميني أدى إلى تنامي موجة الصحوة في العالم الإسلامي، وأعلن المؤتمر عن تأسيس مجمع عالمي للصحوة الإسلامية وتأسيس أمانة عامة دائمة له في طهران، فكان هذا المصطلح إحدى مطايا المشروع الإيراني للهيمنة على المنطقة والعالم الإسلامي من خلال التيارات الحزبية.

وارتبط هذا المصطلح الدخيل بفكر الغلو والتطرف، وبمفردات كثيرة، مثل الحاكمية، والجاهلية، والعزلة الشعورية، والمفاصلة، والخروج، والثورة، والحكم على الأنظمة والمجتمعات بالكفر والردة، والطائفية، ومن الدلالات الواضحة لهذا المصطلح الغلو في النظرة السلبية تجاه المجتمعات، فنقيض الصحوة الغفلة والرقاد والسُّكر، فالجميع في نظر تلك التيارات غافلون سكرى غير أبناء الصحوة، وهم أتباع هذه التيارات، الذين لم تحصد منهم الدول والشعوب إلا الدمار وإفساد العقول وزرع الفتن ونشر الإرهاب والصراعات.

كما ارتبط هذا المصطلح باستخدام الدين أداة للوصول إلى الحكم، واللجوء لأساليب الخداع والمراوغة لتحقيق هذا الغرض، والتأرجح بين مداهنة الأنظمة والمصادمة معها، وهي سياسة ماكرة، ممن صرح بها عبد الله النفيسي قائلاً: «موقف الصحوة الإسلامية إزاء النظم السياسية القائمة استخدام أسلوبين معاً: أسلوب العمل المتاح في ظل الأنظمة، وأسلوب العمل الرافض لأساس الأنظمة»، ولذلك نجد أتباع الصحوة في صدام مع الأنظمة في مرحلة، ثم انتقل بعضهم إلى المداهنة في مرحلة لاحقة، وهو ما يسمونه بفقه المرحلة.

وإذا كانت مثل هذه الألاعيب والمراوغات قد نجحت في عقود ماضية لعدم وضوح حقيقة هذه التيارات، فإنها أصبحت في السنوات الأخيرة مكشوفة مفضوحة، ونجد الوعي بخطر هذه التيارات وضرورة مكافحتها يتنامى لدى القادة والشعوب، وفي هذا السياق جاء تصريح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالتحذير من الصحوة، والقضاء على بقايا التطرف.

وهذا التصريح ليس وليد اللحظة، بل هو نابع من رؤية ممتدة منذ سنوات، رصدت ودرست وكشفت حقائق التيارات وأزالت الأقنعة عنها، فقد حذر الأمير نايف بن عبد العزيز رحمه الله من «الصحوة الإسلامية» في حوار له مع إعلاميين في أبريل 2003، قائلاً: إنها دخيلة علينا، إن هذه الأفكار غير صحيحة، والتفكير الإسلامي يجب أن يكون تفكيراً سليماً، إن مصطلح الصحوة منشأه «الإخوان المسلمين».

إن التصدي للصحوة الإسلامية هي باختصار التصدي للتيارات الحزبية والأفكار المتطرفة، والعمل على استنقاذ الإسلام من تحريفاتها، والعقول من مكائدها، والدول من دسائسها، وبسط الاعتدال والوسطية والمفاهيم السمحة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات