ترامب والعالم

كتب الباحث والإعلامي الأميركي - الهندي فريد زكريا مقالة في «واشنطن بوست» عن عالم ما بعد أميركا. أي عالم لا يسود فيه الهيمنة والقوة الأميركية وتصبح الولايات المتحدة إحدى الدول الكبرى ليس إلا.

ويستشهد فريد زكريا بكتابه والذي نشر في العام 2008 بعنوان «عالم ما بعد أميركا». ويقول الكاتب أن أطروحة الكتاب كانت أن الولايات المتحدة لا تعاني من انحدار في قدراتها، بل بالعكس من ذلك فإن مقدرات الولايات المتحدة في تصاعد. ولكن هناك صعود من قوى أخرى مما يجعل الولايات المتحدة في انحدار نسبي رغم الصعود بالمطلق.

بمعنى أن هناك دولاً أخرى بدأت في التنافس مع الولايات المتحدة وتصعد على حساب السيطرة الأميركية. ويرى أن ترامب يسرع بعملية الانحدار النسبي بسبب انعدام الكفاءة، وضيق الأفق، والفوضى التي تضرب في أطناب الإدارة.

ولكن من المهم حين نقيس قوة أية دولة ألا نعتمد على المؤشرات المادية فحسب. فالقدرات العسكرية والاقتصادية والتأثير الإعلامي والثقل الدبلوماسي مقاييس مهمة جداً. ولكن عندما نأتي للتأثير فإن مؤشرات القوة الناعمة لأية دولة تكتسب أهمية كبيرة في قياسات عناصر قوة الدولة.

وقياس القوة الناعمة ليس قياساً موضوعياً كالاقتصاد أو القدرات العسكرية. بل تتداخل المؤشرات الموضوعية مع المؤشرات الوجدانية. فكيف ينظر الناس في الخارج لأميركا يحدد القوة الناعمة لها. وبلا شك أن أداء الولايات المتحدة السياسي والاقتصادي والدبلوماسي بل والعسكري يشكل الرؤية تجاه الولايات المتحدة.

فما هي رؤية العالم للولايات المتحدة في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب؟ يشير فريد زكريا إلى استطلاعات الرأي التي أجراها مركز بيو للبحوث حول آراء الناس تجاه الولايات المتحدة وترامب في 37 دولة. وقد عنون مركز بيو استطلاعه «صورة الولايات المتحدة تعاني مع تشكك الشعوب حول العالم من قيادة ترامب»، والذي نشر في يونيو 2017.

ويقول التقرير رغم حداثة عهد ترامب والذي لم يتعدى الستة شهور إلا أن تأثيره كان كبيراً في سمعة الولايات المتحدة. ويعود السبب إلى أن سياسات ترامب ليس لها أية شعبية في العالم. ويضيف التقرير إلى أن متوسط الثقة في الرئيس الأميركي في الشأن الدولي لا تتعدى 22%، وبالمقارنة مع نسبة الثقة لباراك أوباما والذي وصل إلى 64%. وهذه النسبة تبدو أنها هي السائدة حتى بين حلفاء أميركا. وتتحسن نسبة الثقة للرئيس الأميركي في دولتين فقط وهما روسيا وإسرائيل، حيث يتفوق الرئيس الحالي عن سلفه.

ومن أهم الأسباب التي تجعل من الرئيس أقل شعبية من سلفه هي السياسات التي يتبعها الرئيس ترامب مثل التخلي عن المعاهدات الدولية والتي أقرتها واشنطن مثل اتفاقية المناخ والتي وقعت في باريس والاتفاقيات التجارية وإجراءات منع دخول المسلمين إلى أميركا وبناء الجدار العازل مع المكسيك والانسحاب من الاتفاقية النووية مع إيران.

ويرى الاستطلاع أن شخصية ترامب هي سبب إضافي لتدني شعبيته في دول العالم؛ فكثير من الناس في العالم يرون أن سيد البيت الأبيض الجديد شخص «متعالٍ، غير متسامح، وخطير».

ومن الأمور المثيرة، على الرغم من الرؤية السلبية تجاه الرئيس الأميركي، فإن عموم الناس يكنون الود للشعب الأميركي ويرونهم بإيجابية. كما تحظى الثقافة الشعبية الأميركية، مثل الأفلام والبرامج التلفزيونية والموسيقى، برواج بين المستطلعين.

وحسب ما جاء في الاستطلاع فإن الولايات المتحدة عموماً لم تكن أفضل حالاً من رئيسها في الرأي العام العالمي. فقد انحدر الموقع الإيجابي للولايات المتحدة في دول عدة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. والاستثناءان هما روسيا وفيتنام، حيث ارتفع معدل الرؤية الإيجابية تجاه الولايات المتحدة.

وهناك عامل ارتباط بين الرأي حول الرئيس وتجاه الولايات المتحدة. ففي زمن جورج بوش الابن، على سبيل المثال، كانت سياساته الخارجية تقابل باستياء كبير من قبل أناس كثر في العالم، وبالتالي أثر الصورة السلبية للرئيس على سمعة الولايات المتحدة. وعندما انتخب أوباما رئيساً تحسنت النظرة تجاه الولايات المتحدة.

وليس أدل على ترابط الثقة بالرئيس الأميركي والنظرة الإيجابية تجاه الولايات المتحدة مثل الآراء المستطلعة في الدول الصديقة والحليفة للولايات المتحدة، كجيران الولايات المتحدة مثل المكسيك وكندا. فمعدل الثقة في الرئيس ترامب في المكسيك وصل الحضيض بسبب سياسات الهجرة التي يتبناها الرئيس ومقترحه لبناء الجدار العازل على الحدود الأميركية - المكسيكية. وقد وصل معدل الثقة هناك إلى أقل درجة من بقية البلدان المستطلعة، بل وفي كل الاستطلاعات السابقة وهو 5%. وانحدر معه تباعاً معدل الرضاء عن أميركا من 66% في أواخر حكم أوباما إلى 30% في عهد ترامب.

وكذلك الحال بالنسبة للجارة الشمالية كندا. فإن معدل الثقة بالرئيس أوباما وصل إلى 83% في نهاية عهده، ووصلت النظرة الإيجابية للولايات المتحدة إلى 65%. ومع وصول الرئيس ترامب إلى سدة الحكم فإن النظرة إلى الولايات المتحدة وصلت إلى أدناها خلال الخمس عشرة سنة الماضية بمعدل 43% والثقة بالرئيس وصلت إلى 22%.

هذه الحقائق لابد أنها مخيفة لصانع القرار في واشنطن، حيث ستواجه أميركا أياماً عصيبة في تنفيذ أجندتها في ظل تشكك دولي في قيادتها للعالم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات