الماراثون الأفريقي

كلما اقترب موعد ما يسمى بقمة «إسرائيل - أفريقيا» المزمع عقدها في توجو خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر المقبل، ازدادت سخونة المنافسة الدبلوماسية العربية الإسرائيلية على عقول الأفارقة وقلوبهم وتفضيلاتهم الفكرية ومصالحهم المادية.

في أحدث تصريحاته اللافتة بهذا الخصوص، لاحظ بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي أن هناك ضغوطاً عربية مكثفة تبذل لعرقلة هذه القمة؛ التي يبدو أنه يعتبرها لقاء السحاب مع دول القارة السمراء.

ملاحظة نتنياهو؛ الذي يحسب أنه بطل عودة إسرائيل إلى أفريقيا، ليست بلا مغزى.. ذلك أن تحركاته المحمومة وعالية الوتيرة؛ التي راحت تذرع العواصم من شرقي القارة الأفريقية إلى غربيها منذ نهاية العام الماضي، والاستعدادات الاستثنائية لقمة توجو، لفتت انتباه المحيط العربي بشكل لا يقبل الجدل.

يستدل على ذلك بعقد مجلس الجامعة العربية جلسة خاصة لتحري أبعاد هذا النشاط الإسرائيلي الفائض، والعمل على «فرملته» وتذكير الأفارقة بمواقفهم المبدئية الداعمة للحقوق العربية، ورفض تطبيع علاقاتهم مع إسرائيل قبل انصياعها للقوانين الدولية والقرارات الأممية العاطفة على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين.

لا شك في أن الصحوة العربية لإعادة الاهتمام بالملف الأفريقي تستحق الثناء، ولا سيما أنها تأتي في غمرة هموم وشواغل داخلية وبينية بالغة الضراوة، تكاد تأخذ بخناق دول النظام العربي على الصعيدين الفردي والجماعي.

والمرجح أن هذا المشهد شديد التعقيد والارتباك، يعد أبرز محفزات الطموح الإسرائيلي في تلميع التوغل في الأرجاء الأفريقية. غير أن المتابع لا يمكنه الشعور بالارتياح إزاء جهود، عربية بعامة وفلسطينية بخاصة، تدخل في مربع رد الفعل ومحاولات الاستدراك؛ بينما يبدو الطرف الإسرائيلي مبادراً وسباقاً.

ومما يثير الحفيظة أكثر فأكثر، أننا نتحدث عن منازلة أو اشتباك يدور في ميدان، يفترض حقاً وليس جدلاً، أنه يقع ضمن دائرة القرابة والصداقة والتحالف مع العرب ومنحاز لقضاياهم. هذا بحكم عدد لا حصر له من محددات التعامل التضامني في دنيا العلاقات الإقليمية والدولية.

ندفع بهذا التعميم وفي الخاطر أن العرب جزء مؤثر وقوي أصيل الحضور، جغرافياً وبشرياً وثقافياً ودينياً روحياً، في الرحاب الأفريقية. وعليه، لا يبالغ كثيراً من يعتبر أن التغلغل الإسرائيلي في هذه الرحاب، هو أقرب إلى مفهوم اختراق القلعة العربية من الداخل.

لا ينبغي لمرارة استحضار هذه المعاني أن تصرفنا عن التعامل مع الأمر الواقع؛ الذي يوحي بأن أفريقيا التي في الوجدان منذ خمسين عاماً، وقت أن انحازت للعرب، ليست هي التي نعرف الآن. لقد اعترتها تحولات كثيرة؛ تماماً مثلما حدث مع العالم برمته من دون استثناء العرب أنفسهم.

بناء على هذا التعميم لنا أن نلاحظ، مثلاً، كيف أن دنيا العولمة والتغريب والأمركة، تشهد شحوب تأثيرات المثل والقيم والمبادئ المتكئة على المنطلقات الحقوقية والأخلاقية البحتة والشجون والأبعاد العاطفية، وذلك في مقابل صعود أدوار المساومات المصلحية المادية. وبالطبع، لا بد من أن الأفارقة تعرضوا لرياح هذه المستجدات الضاغطة.

وهذا يدعو للسؤال عما يمكن للعرب أن يقدموه من استثمارات أو قروض ميسرة أو عطايا وهبات ومنح لهؤلاء الأقارب والجيران والأصدقاء التاريخيين، لقاء عزوفهم عن فتح الأبواب للدخيل المستعمر المستوطن المحتل الإسرائيلي؟

يباهي الإسرائيليون بأنهم متفوقون في مجالات يقاسي الأفارقة لأجل توفيرها، كالري والزراعة وتحديث البنى التحتية وتطوير الطاقة الكهرومائية عبر بناء السدود والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة من الرياح والشمس، فكيف السبيل إلى عروض عربية بديلة؟

ومن باب الاستطراد المفيد، التذكير بأنه سبق للإسرائيليين أن توسلوا بسخائهم مع الأفارقة في هذه المجالات ونحوها، وقت كان خطاب التحرر الأفروآسيوي ومقاومة الاستعمار والنظم العنصرية في ذروته. فكيف الحال الآن وقد تغير المناخ عالمياً وإقليمياً وتراجعت مفردات هذا الخطاب بشكل لافت، وأصبحت الأولوية لشؤون الاقتصاد والمال والأعمال وتبادل المنافع المادية؟

بلغة أكثر شفافية، لا عيب في اللجوء إلى استثارة النخوة الأفريقية التقليدية وراء الحقوق العربية، وذلك اعتماداً على العناصر الثابتة التي تجمع العرب بالأفارقة.

لكن الأكثر جدوى في سحب البساط من تحت أقدام الحراك الإسرائيلي في القارة السمراء، هو تبصر المرتكزات المادية النفعية لهذا الحراك، والدفع بمرتكزات عربية مغرية، تجبر الأفارقة على التفكير ملياً قبل الهرولة وراء إسرائيل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات