العراق على بوابة تحولات مهمة

تزداد الاستقطابات في المشهد السياسي العراقي الشديد التعقيد مع تحولات سياسية هامة باتت تطل على ساحاته، فهناك تمرد ضد نهج التبعية لإيران، الذي يكرسه الحرس القديم الموالي لها، والذي يسيطر على المشهد السياسي العراقي منذ عام 2003، فهم رغم اختلاف انتماءاتهم السياسية لهم ما هو مشترك وهو قربهم من إيران بدرجات متفاوتة، فقد وصلت القناعة لدى قيادات هامة داخل كتلة التحالف الوطني التي يسيطر عليها هذا الحرس بأن عليها أن تعيد النظر بمواقفها والالتفات ناحية الوطن، على رأس هذه القيادات أبرز عمامتين سوداويتين مؤثرتين في الوسط الشيعي العراقي: مقتدى الصدر وعمار الحكيم.

أولى التحولات التي نتحدث عنها زيارة مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الواسع الانتشار إلى السعودية بدعوة رسمية وهي زيارة تأتي بعد مرور أحد عشر عاماً على زيارته السابقة، وثانيهما مغادرة عمار الحكيم للمجلس الأعلى الإسلامي الكتلة الأكثر قرباً لإيران لتأسيس تنظيم جديد أسماه «تيار الحكمة الوطني».

أهمية زيارة الصدر للسعودية التي جاءت بعد زيارات عدد من المسؤولين العراقيين الكبار استقبلوا بحفاوة على أعلى المستويات، أنها تأتي لمقاربة مخاطر النهج الطائفي التفكيكي في المنطقة حيث كان أبرز ما تمت مناقشته مع ولي العهد السعودي والتفاهم حوله هو الملف العقائدي وضرورة الالتزام بالخطاب الديني المعتدل لإفشال محاولات توسيع وتعميق الفتنة الطائفية وجر المنطقة إلى حروب طائفية تجلب الويلات على شعوبها.

زيارة الصدر للسعودية والتي ألحقها بزيارة أخرى لدولة الإمارات العربية المتحدة رسالة فهمتها طهران لوضوحها فهي رفض لهيمنتها وإصرار على استقلالية القرار العراقي وتحدياً لحلفائها في كتلة التحالف الوطني.

وفي سياق مشابه إلا أنه أقل شأناً يأتي إبعاد الحكيم نفسه عن المجلس الأعلى الإسلامي الذي ارتبط منذ تأسيسه باسم عائلته.

الصدر والحكيم لم يغيرا من أفكارهما بل من توجهاتهما وربما في تحالفاتهما لاحقاً، الصدر أكثر وضوحاً فهو يقترب في طروحاته من التيار المدني ويقترب كذلك من رئيس الوزراء الراغب في الإصلاح والمقيد اليدين في الوقت نفسه ببقائه داخل حزبه وكتلته النيابية.

الصدر يستخدم نفوذه الواسع في الشارع ويعتمد عليه لممارسة الضغوط على الحكومة وعلى باقي القوى أكثر من اعتماده على كتلة الأحرار التابعة له في المجلس النيابي فهو من أوائل من دعا لحل جميع المليشيات وبضمنها «سرايا السلام» التابعة له انطلاقاً من قناعة بالدور السلبي الذي تلعبه هذه المليشيات سياسياً واجتماعياً وأمنياً وها هو يطالب بحل الحشد الشعبي في خطوة سياسية متقدمة نحو تقوية كيان الدولة.

من جانب آخر ومع أن كتلته النيابية لن تتأثر برفع سقف القاسم الانتخابي في طريقة سانت ليغو المعتمدة في حساب عدد النواب تهييئاً للانتخابات التشريعية المقبلة إلا أنه وقف ضد ذلك، وهو موقف يحسب له فهو لصالح الكتل النيابية الصغيرة.

لم يعد خافيا ًحجم الاستياء الشعبي من الحضور الإيراني الكثيف في جميع مفاصل الدولة ومن أياديه العلنية والخفية التي تحرك خيوط اللعبة السياسية في العراق لتحقيق أجندتها في التوسع الإقليمي وتجنيد شباب العراق للقتال نيابة عنها في معارك لا دخل ولا مصلحة للعراق فيها، فنهج التبعية لدول إقليمية على حساب الوطنية العراقية قد فشل تماماً في تحقيق أية منافع للعراق وكان عائقاً أمام بناء دولة المواطنة على مدى أربعة عشر عاماً ما ترك تداعياته الخطرة على الوضع بشكل عام سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً.

من هذا المنظور بدأت بعض القيادات السياسية في كتلة التحالف الوطني، وليس الصدر والحكيم وحدهما، بتحسس المخاطر القادمة فالغضب الجماهيري في تصاعد وهم في مرماه، وهناك توجه في إقبال مزيد من هذه القيادات نحو تبني إعادة صياغة العلاقات مع محيط العراق العربي.

لقد بدأ التغيير في معادلة توازن القوى في المنطقة فالتحالف الدولي في الحرب على داعش اختط لنفسه مع مجيء الرئيس ترامب للبيت الأبيض وانعقاد القمم الثلاث في الرياض استراتيجية جديدة تعتبر الحرب على هذا التنظيم وعلى الإرهاب عموماً مدخلاً لإعادة ترتيب البيت الشرق أوسطي خاصة في المشهدين العراقي والسوري وهو ما يصطدم مع مشاريع إيران التوسعية في المنطقة التي أصبحت في طور الأفول.

إيران نجحت في فرض حضور إقليمي أكبر كثيراً من قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية عبر حلفائها في بعض دول المنطقة وعبر المليشيات المسلحة التي شكلتها مستغلة ظروفاً إقليمية ملتبسة تتعلق بتراجع الاهتمام الأميركي بشؤون المنطقة وضعف الحضور العربي أو بالأحرى غيابه وتصدر الولاءات الطائفية واجهات الأحداث على حساب الولاءات الوطنية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات