الإمارات دولة حضارية مسلمة

لا تنتهي مؤامرة قطرية إلا وتعقبها أخرى، فبعد أن سعت قطر إلى اتهام السعودية بتسييس الحج لتشويه سمعتها إسلامياً ودولياً تسعى حالياً لاتهام دولة الإمارات بإقصاء الدين وعلمنة الدولة، للإضرار بسمعتها محلياً وإسلامياً، وقد حشدت لذلك إعلامييها وأنصارها من التيارات الدينية لتضليل الرأي العام وإقناعه بأكذوبتها الجديدة.

إن دولة الإمارات – رغم أنف قطر - دولة حضارية مسلمة منذ تأسيسها، لا يشك في ذلك منصف، بناها مؤسسها الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه على أسس إسلامية وعربية وإنسانية وحضارية متينة، محافظة على إسلامها وعروبتها وأخلاقها وتقاليدها، وتنافس العالم في مدنيتها وازدهارها وتقدمها وريادتها، دستورها ناطق بذلك، وواقعها شاهد عليه، تخدم الإسلام، وتنصر قضايا المسلمين، وتقدم الخير للناس أجمعين، وعلى هذا النهج المستنير سارت القيادة الحكيمة مترسمة خطى المؤسسين، وواقع دولة الإمارات داخلياً وخارجياً يؤكد هذه الحقيقة الناصعة.

ولكن لأنَّ «الصراخ على قدر الألم» تحاول قطر قلب الطاولة على الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، لتشويهها والاستعداء ضدها بشتى الطرق، وهذه المرة بمحاولة إلصاق تهمة العلمنة بدولة الإمارات، وهي تهمة باطلة رخيصة، تسعى قطر من خلالها لبناء صرح موهوم من قشة هشة، وذلك من خلال اجتزاء كلمة للسفير الإماراتي يوسف العتيبة، وبترها عن سياقها، وهي قوله: «ما نريد أن نراه في الشرق الأوسط حكومات مدنية مستقرة مزدهرة وقوية»، والتي تُرجمت أيضاً بحكومات علمانية مكان مدنية، وبغض النظر عن هذه الترجمة أو تلك فإن قطر وأبواقها تجاهلوا تتمة الكلام الذي يوضح المقصود، ويبين مراد السفير، وهو التحذير من تسييس الدين ودعم التيارات التي تسعى لاختطاف الإسلام وتشويهه وتقويض أمن المجتمعات واستقرارها.

يقول السفير العتيبة متمماً كلامه وموضحاً مراده: «ما رأيناه من قطر في السنوات الماضية هو دعم جماعات كالإخوان المسلمين وحماس وطالبان والميليشيات في سوريا وليبيا، وهو الاتجاه المعاكس تماماً لما نعتقد أن منطقتنا بحاجة للاتجاه نحوه»، وقد أخفت قناة الجزيرة هذه التتمة التي تكشف زيفها، وتدين قطر، فالتتمة توضح أن مراد السفير ليس علمنة الدول بمعنى إقصاء الدين عن الدولة أو المجتمع، وإنما المراد إقصاء التيارات الدينية عن السياسة، وشتان بين هذا وذاك، فالتيارات الدينية تمثل نفسها، ولا تمثل الإسلام في شيء، وإقصاؤها عن السياسة ليس إقصاء للإسلام، بل مطلب من مطالب الإسلام، والواقع اليوم يكشف بجلاء خطر هذه التيارات وضررها.

ومن يتابع لقاءات السفير العتيبة يرى أنه يوضح مراده من الكلمة محل الإشكال، فهو يقول بوضوح في لقاء آخر عقيب استعمالها: «ما نريد اجتنابه هو سيطرة الجماعات الدينية كالإخوان المسلمين والنصرة وداعش على نظام سياسي أو استغلاله».

وهذا مطلب ضروري، تدعو إليه الدول المكافحة للإرهاب، بينما تخالفه قطر، وقد شهد العالم كله المصائب والكوارث بسبب هذه الجماعات، وخاصة الإخوان والقاعدة وداعش والحوثيين وحزب الله وغيرها، وأي عاقل يتمنى أن تسيطر هذه التنظيمات والميليشيات على الأنظمة السياسية أو أن تلقى دعماً منها؟!

وإذا كان العقلاء يعلمون خطر ذلك جيداً ويؤمنون بضرورة التصدي له فإن قطر على العكس من ذلك تدعمه وترعاه، مما يدل على أن الخلاف مع قطر خلاف جوهري عميق، حول طبيعة العلاقة بهذه الجماعات وأيدلوجياتها، والرؤية القطرية في ما يتعلق بالتطرف والإرهاب، ومنهجية تعاملها مع الدول والمجتمعات، وليس خلافاً حول سياسات عابرة أو ممارسات عارضة، وعلى قطر أن تعي ذلك جيداً.

إن التصدي لظاهرة تسييس الدين والتصدي للتيارات الدينية للمحافظة على الدولة ووحدة المجتمع وقبل ذلك للمحافظة على الإسلام وحمايته من التوظيف والتحريف والتشويه هو من صميم الإسلام ومن أولويات العصر، وليس من العلمانية في شيء، فليس في الإسلام تيارات دينية تتصارع على السلطة، وتثير القلاقل والفتن في المجتمع، وتمزقه شيعاً وأحزاباً، وإنما هناك دولة مسلمة ذات سيادة وشعب، يظللها الإسلام بتعاليمه السمحة لا التيارات الدينية، ومظلة الإسلام مظلة أمن وسلام وتعايش وحفظ للحقوق وصيانة للأمن والاستقرار ومظلة ازدهار وخير وإحسان.

إن قطر تقف في صف التطرف والإرهاب والتيارات الدينية المنحرفة التي أساءت إلى الإسلام، ونشرت المفاهيم الخاطئة عنه، ووظفت مصطلحات مثل الثيوقراطية الإسلامية كما فعل المودودي أو الحاكمية كما فعل سيد قطب أو حكومة الإمام وولاية الفقيه كما فعل الخميني؛ لتكريس روح الصراع على السلطة في المجتمعات، وخلق تجمعات دينية لتقويض الدولة وانتزاع السلطة منها، وتكفير الحكومات والمجتمعات، وصولاً إلى الخروج المسلح عليها، وشن الأعمال الإرهابية ضدها، وإشعال الحروب فيها، ونشر الأيدلوجيات الإرهابية والطائفية التي تزعزع سلمها الاجتماعي، وكل هذه المفاهيم والممارسات والصراعات لا تمت إلى الإسلام بصلة، ومن يدافع عنها فإنما يدافع عن التطرف والإرهاب، ولا يدافع عن الإسلام.

الأحرى بقطر بدل إثارة الزوابع في الفناجين أن تراجع نفسها، وتكف عن دعم التيارات الدينية التي تعيث في الأرض إفساداً وإرهاباً، وأن تعلم أن سعيها للتشكيك في المكانة الإسلامية لدولة الإمارات والتحريض ضدها سعي فاشل، وهي كمن ينطح الجبل الأشم بقرنيه، ولن يضر إلا نفسه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات