الأقصى ومحاذير عقلية الانتقام

حالة التيه وعدم الاستقرار الداخلية والمماحكات البينية التي تنغص حياة النظام العربي وكثير من قوى العالم الإسلامي؛ علاوة على فقدان الفصائل الفلسطينية لبوصلة الوحدة الوطنية، أطمعت نخب الحكم والسياسة بزعامة بنيامين نتانياهو في إسرائيل، باتخاذ خطوة واسعة في اتجاه بسط رموز السيادة على المسجد الأقصى ورحابه في القدس المحتلة.

ويبدو أن أصابع الاتهام بالفساد الممدودة إلى نتانياهو، وصعود حظوظ حزب العمل في المنافسة الانتخابية المقبلة داخل إسرائيل، كان لها أيضاً نصيب في محاولة الهروب إلى الأمام بتحقيق هذه الخطوة الفارقة..

الحق أن ردود أفعال هذه المحاولة أثبتت صحة تقديرات نتانياهو ورهطه للمواقف المحتملة في البيئات العربية والإسلامية والدولية.

ذلك لأن أصداء القرار الإسرائيلي بحصار الأقصى من خلال بوابات التفتيش أو الكاميرات الذكية، راوحت عربياً وإسلامياً بين عدم الاكتراث والفتور أو الغضب الشاحب والمكظوم ومكلمات الاحتجاج، وخضعت عموماً لحسابات وحساسيات لا ترقى إلى مستوى الحدث الفارق تاريخياً على الصعد الروحية والحقوقية والسياسية.

وفي سياق كهذا، لم يكن من المنطقي أن تتعدى المواقف الدولية هذه الحسابات إلى ما هو أكثر وقعا وتأثيرا؛ فهي لن تكون أكثر غيرة على مصير الأقصى بالمعنيين الروحي والمادي من منظومته الحضارية.

لكن أم المفاجآت؛ المعاكسة لمرادات صانع قرار الأزمة الإسرائيلي جاءته من حيث لم يحتسب. من الفلسطينيين بعامة؛ المقدسيين منهم بخاصة، ومن بعض النخب السياسية والفكرية غير الشعبوية في إسرائيل ذاتها.

لقد تمكن الأقصى من حشد المقدسيين ومن خلفهم كافة الأطياف الاجتماعية والسياسية والفكرية الفلسطينية داخل فلسطين التاريخية وخارجها. وهو ما لم يتمكن حدث ولا وسيط داخلي أو خارجي من فعله واتيانه خلال العقد الأخير على أقل تقدير.

واللافت أن أكثر قيادات السلطة الفلسطينية تفضيلا لمسار التسوية السياسية السلمية لم يخرج عن الإجماع الجماهيري، ولم يستنكف عن رفض تغيير الوضع القائم في الأقصى منذ 1967، وأعلن اتخاذ إجراءات احتجاجية مضادة أبرزها وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل؛ طالما تلقى اللوم بسببه.

وهكذا تأكد لمن افتعل الأزمة وفجرها أن الفلسطينيين لا يهزلون عندما يقولون أن الأقصى خط أحمر، وأن تصديهم لمن يتخطى هذا الخط لا يتوقف على عون الآخرين ولا يخضع لحسابات موازين القوى المادية.

ومثلما رسب نتانياهو في اختبار جدية تعلق الفلسطينيين بالأقصى، فإنه أخفق في تقدير وحدة جبهته الداخلية خلف هذا الاختبار في توقيته. فهو تلقى توبيخا من لدن بعض الإسرائيليين باعتباره صعد الى أعلى شجرة بدون أن يعرف السبيل الى الهبوط الآمن عنها.

الهبة الفلسطينية الموحدة كانت العامل الأهم في إشعال الجدل الإسرائيلي حول جدوى قرار نتانياهو وحكومته. بمعنى أنه لا ينبغي أن يؤخذ اعتراض المعترضين الإسرائيليين على محمل وجود خلاف جوهري حول مصير الأقصى في المفهوم الصهيوني. فإزاحة الأقصى واستبداله بإعادة بناء الهيكل اليهودي المزعوم، تقع على رأس ثوابت المشروع الاستيطاني الصهيوني في طبعته الأصلية.

غير أن التناظر بهذا الخصوص يتعلق بلحظة التطبيق وبحسابات الأصداء الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية. لا أكثر ولا أقل. وهي أبعاد رأى المعترضون الإسرائيليون أن نتانياهو لم تسعفه الفطنة في التعامل مع ما يخص الفلسطينيين منها.

بكل حال، انتهت أحدث «غزوات» نتانياهو ومحازبيه للأقصى بالعودة إلى الأمر الواقع المفروض منذ خمسين عاما. وفي التحليل الأخير، تبدو هذه النتيجة وقد خصمت من صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي ودولته، وأضافت إشعاعات إيجابية قوية للمقاومة الشعبية الفلسطينية. لهذا السبب بالذات، يتعين الحرص والحذر من عقلية الانتقام الإسرائيلية عموما؛ التي قد تسعى للنيل من المرابطين في الأقصى وأكنافه.

ويندرج في هذا الإطار، العمل عاجلاً على طلب الحماية الدولية وتفعيل القوانين والتشريعات والقرارات الأممية ذات الصلة بوضعية الشعب الفلسطيني ومقدراته تحت الاحتلال. والشاهد عموماً أن الاستبسال الفلسطيني في الدفاع عن الأقصى ورحابه الطاهرة أمر لا يقبل الجدل، لكن الشرور التي يكنها الإسرائيليون بدورهم للأقصى ورحابه لا حدود لها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات