تاريخ لم يفهمه أحد

تنقل كتب التاريخ أنّ مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة جلس يوماً وقد حار فيما صار إليه أمر دولته وقد أحاطت بها جيوش أبي مسلم الخراساني، وعلى رأسه خادم له قائم، فقال مروان لبعض معاونيه: «ألا ترى ما نحن فيه؟ لهفي على أيدٍ ما ذُكرت، ونِعَمٍ ما شُكرت، ودولة ما نُصِرت» فسكت ذاك مؤيداً، إلا أنّ الخادم كان صريحاً وقد عَلِم أن زمن المجاملات والتملّق والنفاق قد ولّى فقال مختصراً عِلّة سقوط دولة بني أمية العظيمة: «يا أمير المؤمنين من ترك القليل حتى يكثُر، والصغير حتى يكبر، والخفيّ حتى يظهر، وأخَّرَ فِعْلَ اليوم لغدٍ، حَلَّ به أكثر من هذا»، فقال مروان: «هذا القول أشدُّ عليّ من فَقْدِ الخلافة»!

الأمم لا تسقط فجأة، والكيانات المتماسكة لا تنهار صُدفة، فطيلة مسار التاريخ البشري الطويل قامت ممالك وصعدت إمبراطوريات ثم انهارت لأسباب عدة أو تراجعت لعوامل واضحة، ولو فتشنا بتجرّد وحيادية عن حقيقة أسباب سقوط تلك الأمم لوجدناها تكاد تتكرّر في كل مأساة زوال إحداها، الدول تسقط عندما ينخر الداء في أساسها من ظلم وزيادة طبقية وتباين في توزيع الثروات وغرور بما وصلت إليه من مكانة كما قال سبحانه: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ».

الأمر أكبر من قصة ساذجة تقول إن الأندلس سقطت عندما جاء قشتالي فوجد أندلسياً يتعلّم الرماية فعاد محذراً قومه من مغبّة غزو الأندلس، ثم عاد بعد عام فوجد نفس الشاب يبكي فراق حبيبته، فعاد القشتالي وقال: «الآن تستطيعون غزوهم»، هذا من تسطيح أسباب الإخفاق والتي «صدّعنا» بها بعض المتعالمين والذين ينقلون قصصاً ربما تصلح لتنويم الأطفال لكنّها حتماً لا تصلح كطرحٍ منهجي لسقوط الدول.

يقول الفيلسوف الألماني هيغل:«تعلمنا مِن التاريخ أنْ لا أحد يتعلّم من التاريخ»، وذاك صائب لأسباب عِدّة، أولها أنّ أغلب التاريخ كتبه المنتصرون كما قال ونستون تشرشل: «التاريخ سيكون كريماً معي لأنني من سيكتبه»، فكثير من تفاصيل التاريخ التي نقرأ لم تكن بتلك المثالية التي تُطرح.

وكثير من أولئك الأشخاص الذين يتصدرون صفحاته ليسوا بتلك الصورة اللامعة التي وضعت لهم، والسبب الثاني وهو مرتبط بتاريخنا كعرب أنّه انتقائي بشكل عجيب، ما درسناه ويُدرَّس في مناهجنا لا يعدو أن يكون تاريخاً «ناعماً» و «وردياً» غضَّ الطَّرْف مَن وَضَعَهُ عن الكثير من المنعطفات التاريخية المؤلمة وأبقى على الأحداث الجميلة فقط فأفقدنا معرفة تلك الأخطاء الكارثية التي وقع فيها أسلافنا، وثالث الأسباب التي تجعلنا لا نتعلّم من التاريخ كما يقول هيغل أنّنا نقرأه بانتقائية أيضاً.

وهذا ملاحظ في هذا العصر والذي يدّعي فيه الأغلبية بحثهم عن الطرح المحايد ولكنّهم فعلياً لا يبحثون في بطون كتب التاريخ إلا عن أحداث تؤيد ما يؤمنون به في قرارة أنفسهم ويطعنون في كل ما يناقضها من مرويات حتى لو كانت ثابتة السند!

إنّه لمن المؤلم أن نقرأ تاريخاً لامعاً للأندلس لكي يقرأه الناشئة لدينا لكنه لا يضع أمامهم إلا طرحاً هزيلاً يخالف ما ثبت بكتب التاريخ الموثقة، لكن ربما لحسن النوايا ومن باب «عفا الله عمّا سلف» لم تذكر تلك الكوارث التي أودت بأعظم حضور عربي في العصور الوسطى.

فهي لم تذكر أنّ المعتمد بن عبّاد تعاون مع ألفونسو ملك قشتالة ومنحه بعض الحصون ليقاتل معه يوسف بن تاشفين الذي قرَّر خلع ملوك الطوائف لكثرة خياناتهم، ويا سبحان الله كم يعيد التاريخ نفسه مع الخونة واستنصارهم بأعدائهم ضد إخوانهم، كما لم تذكر كتب التاريخ الوردية عن تنازل بني الأفطس عن مدينة لشبونة بمن بها من المسلمين لألفونسو أيضاً ليساعدهم في طرد قوات المرابطين التي أنقذت الأندلس.

ولم تذكر أنّ محمد بن الأحمر كان عضواً في المجلس القشتالي الصليبي ووضع جنده تحت أمر فرناندو الثالث وساعده على احتلال إشبيلية وملقة، ولم يستجب هو ولا ابن هود لاستغاثات أهل قرطبة حتى دخلها الصليبيون وأعملوا فيها السيف!

نعلم أنّ للحاضر ظروفه وللمستقبل حساباته الخاصة، لكن الدول كيانات بشرية في أساسها البسيط، والبشر لا تختلف طبائعهم أبداً بمرور السنين مهما تغيّرت الأزمنة وتقدّمت التقنية، وكما أنّ لـِمَن يؤسس الأُمم العظيمة شروطاً وخصالاً رفيعة فكذلك لمن يتسبّب في سقوطها خصال وسلوكيات معينة تتراكم نتائجها مع الزمن حتى تصبح أعصى من كل العلاجات التصحيحية لاحقاً.

ولئن وافقنا نابليون بونابرت عندما قال:«من أجل ظروف غير معهودة لا بد أن نستخدم علاجات غير معهودة» فإنّ ذلك يصدق فقط عندما يكون في الوقت متسع، وعندما تكون تلك الأُمّة متماسكة ولكنها تمر بظروف صعبة، أمّا حينما يفوت الوقت فإنّ كل العلاجات لا تجدي نفعاً كما حدث لمروان بن محمد مع مرارة تعليق خادمه!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات