وجاهة الإقناع ووضاعة الفبركة

«لا يمكن أن تقنع شخصاً ما حتى تؤكد له أنك فهمت المشكلة من وجهة نظره». فكيف سيكون حال الشخص حينما يكتشف أنك أصلاً لا تأبه بإقناعه، بل تمعن في اختلاق القصص أو فبركتها أمام الناس. العبارة الأولى هي إحدى النصائح الجميلة التي أسداها إلينا المحاضر الشهير في فنون الإقناع د. غاري أورن حينما كان يحاضر بنا في جامعة هارفارد ضمن برنامج تدريبي مكثف لنحو 27 قيادياً تم انتقاؤهم من الوطن العربي.

هذا الأستاذ الذي تتلمذ على يديه الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاعة نفسها، قال لنا «في عالم الإدارة، نعتبر أن 2 في المائة من المشكلات التي تواجهنا هي مجرد محاولات لاتخاذ القرار المناسب، في حين نمضي 98 في المائة من الوقت في محاولات حثيثة لنقنع الآخرين بقبول هذه القرارات».

وهذا المعنى واقعي وينطبق على مختلف الصعد، لا سيما ونحن في عصر باتت فيه حاجتنا لإقناع من حولنا أكثر صعوبة من أي وقت مضى، حيث ارتفاع مستوى التعليم، وسرعة الحصول على المعلومة، وتدني الأمية لمستويات غير مسبوقة منذ بدء الخليقة كل ذلك جعلنا نواجه معضلة إقناع البعض، وخصوصاً ممن يعتقدون واهمين أن التشبث بالرأي أو التشدق به هو نوع من أنواع إظهار قوة وصلابة الموقف، ناسين أن الحوار ليس معركة يجب أن ننتصر بها، بل هو مقارعة الحجة بالحجة.

وكم من حوار عقلاني غير وجهة نظر لطالما دافعنا عنها باستماتة.

وتبقى حقيقة أن الرجوع للحق فضيلة كما يقال. ولذا فقد لخص د. أورن مبادئ رئيسة عدة تساعد في سرعة إقناع محدثنا أو من نتواصل معه كتابياً في مقدمتها «بساطة الرسالة» التي نحاول أن نقنع فيها الآخرين.

وقد أجرى على مدى العقدين الماضيين دراسات حول أكثر الخطب المقنعة في التاريخ الأميركي فوجد أن الرئيس أبراهام لينكولن هو أحد أقوى الخطباء من ذوي الحجج الدامغة، والذي تمتاز خطبه بـ«بساطة الفكرة» وحسن اختيار توقيتها ومفرداتها البليغة والعفوية، ولم تكن تتعدى نحو 3 أفكار رئيسة بسيطة تهمّ المستمعين.

وهذا ما يجرنا للمبدأ الثاني وهو ضرورة «معرفة ماذا يهمّ الجمهور». فبعض المتحدثين يمضي معظم حديثه في نقاط تهمّه هو فقط، ناسياً أن المستمع إن لم تدعم نقاطك له بأمور تهمّه سينخفض تركيزه إليك وقد يشرد ذهنه بعيداً.

وهذا فخ يقع فيه كثير من وسائل الإعلام في العالم العربي حينما توجه سهام نقدها نحو قضية أو شخصية محددة وتنسى ضرورة مبدأ التوازن والموضوعية لجلب جمهور جديد يبحث عن الرأي والرأي الآخر.

ومن أكثر ما يقوي الحجة تغليفها بـ«سرد قصصي» عفوي ودعمه بالأرقام والموضوعية. فالقصة كما يقول د. أورن توصل الرسالة إلى مختلف فئات المستمعين بسلاسة لا مثيل لها. والملاحظ أن كثيراً من الناس لا يمضون وقتاً كافياً في التفكير بحجج مقنعة حتى في نقاشاتهم اليومية، مما يرفع من حدة المواجهة وتشبث كل طرف برأيه.

وربما هذا ما دفع الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن للقول إنه «لو كان لدي 9 ساعات لقطع شجرة فسأمضي 6 ساعات منها في تسنين فأسي».

كما أن قوة الإقناع تذكرني بصورة جميلة أرسلها أحد المغردين في «تويتر» تظهر شخصين يتجادلان بحدة، ورسم على الأرض بينهما رقم 6 بالإنجليزية، وهي رمزية للموضوع محل النقاش، كل ينظر إليه كرقم مختلف، أحدهما يراه 9 والآخر يظنه 6.

وفي هذه الحالات، وما أكثرها في نقاشاتنا، تكون الغلبة لصاحب الحجة الأقوى ما عدا تلك اللحظات التي نكتشف فيها فجأة أن محدثنا لا يريد شيئاً سوى مزيد من المكابرة والفبركة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات