البعض يفضّلونها محتلة

لا يحتاج الأمر لأكثر من حديث أو تنويه أو مناسبة، تشير إلى احتمال استئناف عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، إلا وتنتفض طائفة من العالم العربي، خوفاً وهلعاً مما هو قادم، باعتبارها كارثة لا قدر الله لها وجوداً، وهي أن يتم تحرير الأراضي العربية المحتلة.

مصدر الخوف هو أن لكل تحرير ثمن، وطالما أن لا أحد يريد بذل المزيد من الدماء، فلا بد أن الثمن سوف يكون التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفقاً لرأي هؤلاء، والحديث هكذا فيه قدر من السذاجة التي تستسلم لعالم ليس وله وجود، وتطلب من الدول العربية أن تترك كل ما هي فيه، لكي تفعل ما لا يريد الفلسطينيون فعله.

بالطبع، فإن بعض العرب لا يرون رابطاً بين ما يجري في المنطقة والحالة الفلسطينية، فلا الضياع السوري والعراقي واللبناني واليمني والليبي، ولا قوافل اللاجئين والنازحين والقتلى والجرحى والمدن المدمرة، لا يعيد النظر في أمور القضية المركزية ومستقبلها.

الفصل الحالي من القضية، جاء مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، ومعه، ولأسباب ليس هنا مجال شرحها، فإن الرجل لم يأخذ بالتوجه الذي توصل له سلفه، باراك أوباما، وهو أن القضية تاريخية لا ينفع فيها حل أو عقد، لأن أصحابها يهوداً وعرباً لا يرغبون في الحل، اليهود لأن الأوضاع الراهنة مواتية لهم، ولأن العرب يخافون من السلام والتطبيع.

بعد أربعة شهور من تولي ترامب الإدارة الأميركية، كان الرجل قد وصل إلى الشرق الأوسط، بادئاً من الرياض، لكي يفتح كل الملفات المعقدة على مصراعيها، بما فيها القضية الفلسطينية.

سبب ذلك انزعاجاً كبيراً لكثيرين، لم يخفف منه الفشل المتوالي طوال العقدين الماضيين، فالخوف دائم، فربما يكون هناك نجاح، ألم يفعلها السادات من قبل، واستعاد الأرض المصرية المحتلة، وفعلها الملك حسين أيضاً، واستعاد الأراضي الأردنية المحتلة، فماذا سوف يحدث لو قدر لمحمود عباس أن يفعلها هو الآخر، ويقيم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية؟.

الحملة الفورية على الأوضاع الجديدة، هي أنها ليست جديدة على الإطلاق، ويستطيع المتحدث أن يقدم قائمة طويلة من الأسباب التي تجعل مصير مبادرة ترامب هو الفشل الذي عرفه من قبل أوباما.

الحقيقة أن الكثير من الأسباب لها جدارتها الذاتية، مثل حالة نتنياهو من أول أفكاره، وحتى التحالفات السياسية التي لا تجعله نصيراً للنجاح.

ولكن أليس هذا هو موضوع السياسة والمفاوضات والدبلوماسية؟، لقد خسر نتنياهو قبل أن تبدأ المفاوضات ثلاثة أمور: أن ترامب بات مؤيداً لحل الدولتين، بينما كان نتنياهو يريد فقط بقاء كل شيء علي ما هو عليه من احتلال واستعمار.

كما أنه أصبح عليه أن يتوقف عن بناء المستوطنات خارج تلك المقامة فعلاً على مساحة لا تزيد على 3 ٪ من أراضي الضفة، بينما نتنياهو يريد التمدد حتى يبتلع كل المنطقة «ج»، وفوق ذلك كله، أن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، بات معلقاً، بعد أن كان نتنياهو يعتقد أن الانتقال بات أقرب إليه من حبل الوريد، وساعتها، فإن كل سفارات الأرض سوف تذهب وراء تلك الأميركية.

ألم يكن ذلك نتيجة جهود مصرية وعربية خلال الشهور التي مضت منذ انتخاب ترامب وحتى الآن؟، مثل ذلك سوف ينقلنا فوراً إلى حيث كانت الخطيئة الأصلية لقيام إسرائيل، وأن الخلاص لا يكون إلا عندما يكون التحرير من النهر إلى البحر، أي لا حل.

وإنما استمرار صراع لا يفعل شيئاً إلا تقليص المساحة الفلسطينية، وعملياً، تقسيم فلسطين الباقية إلى دولتين: واحدة في الضفة، والأخرى في غزة.

والحقيقة أن لا أحد يعلم كيف سوف تبدأ الحركة الدبلوماسية، وما نعرفه أن الصفقة في دور الصنع، وهي مشتقة من المبادرة العربية، وأنها هكذا تقوم بتعريب القضية مرة أخرى، كما كانت قبل عام 1976، والتي من بعدها تسلم الفلسطينيون زمام الأمور.

وكان أكثر ما وصلوا إليه، هو اتفاق أوسلو الذي منحهم أول سلطة وطنية فلسطينية على أرض فلسطينية في التاريخ.

بعدها جرى توافق غير مكتوب بين اليمين الفلسطيني، ممثلاً في حماس، واليمين الإسرائيلي، على إفساد الاتفاق بمفرقعات حقيقية أو سياسية.

الآن انفتح الستار على مبادرات جديدة، تمثل فرصة لحالة تعيسة طالت أجيالاً متعاقبة، محتواها أن الشرق الأوسط لا يستطيع تحمل الحياة التي عاشها ويعيشها خلال السنوات المقبلة.

هناك رئيس أميركي يعتقد أنه يستطيع أن يفعل ما لم يفعله السابقون، ودول عربية ترى أن القضية الفلسطينية يمكن أن تحل في إطار عربي، ورغم كل شيء، فإن الأغلبية من العرب والإسرائيليين يرون أن السلام أفضل من صراع مستمر، يشكل بيئة مزمنة للتطرف. هي فرصة لا أكثر ولا أقل، ومثل كل الفرص، فإما تنتهز أو تمر كما مرت فرص كثيرة قبلها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات