فلسطين في حزيران

يومها كنا طلاباً في السنة الثانوية الأولى، مشبعين بأمل تحرير فلسطين. كيف لا ونحن الذين ولدنا عشية نكبة 1948! كانت رائحة البرتقال لم تزل في حليب أمهاتنا الذي رضعناه، أمهات لم تزل أرجلهن مشققة من جراء طريق اللجوء المزروع بالأشواك والألغام، وعلى وجوههن سيماء النكبة.

يومها، الخامس من يونيو حزيران 1967، وبعد أن كرر أحمد سعيد من «صوت العرب»: «تجوّع يا سمك البحر» كناية عن إلقاء الصهاينة في البحر، قلنا إنه حان يوم التحرير الذي حلمنا به، بل صار واقعنا المشتهى.

كنا، كشافة ودفاعاً مدنياً، ممتلئين حماسة، نجوب الحارات والشوارع، نوعز للناس بإطفاء الأضواء كي لا تراها طائرات العدو. لم نكن نعلم أن تلك الطائرات حسمت الحرب في ساعاتها الأولى فدمرت الطائرات المصرية والسورية في قواعدها؛ أصبحت جثثاً هامدة من حديد حزين. ولم نكن نعلم أن قائد الجيوش العربية كان تلك الليلة في سهرة حمراء مع عشيقته الممثلة المشهورة.

في ست ساعات حسمت إسرائيل المعركة، وفي ستة أيام احتلت سيناء والجولان وباقي فلسطين (الضفة الغربية بما فيها القدس) وقطعة من لبنان. سألنا النازحين من فلسطين عن ذاك اليوم فقالوا: كنا فرحين جداً بأخبار «الانتصارات» العربية.

أهالي مخيمات النكبة تحسسوا مفاتيح بيوتهم التي هُجّروا منها سنة 1948، أخرجوا «كواشين» أراضيهم وبياراتهم في يافا وحيفا وعكا واللد والرملة. انتظرنا الدبابات العربية من الشرق فإذا الدبابات تأتي من الغرب. قلنا ربما هي الخطط العسكرية. اقتربت الدبابات وخرجنا لاستقبال القادمين لتحريرنا فإذ بالعلم الإسرائيلي يرفرف عليها. أهالي المخيمات احتلوا مرتين. الخيمة ولدت خيمة واللاجئ صار لاجئيْن. و... كرّت المسبحة!

بعد خمسين سنة، نصف اليهود يعتبرون الضفة منطقة «محررة». 42% منهم قالوا إن الضفة الغربية والقدس المحتلتين هما أراض "محررة"، بينما أكد 28% أنهما أرض محتلة، فيما قال 18% إنهم يستخدمون في وصف هاتين المنطقتين المصطلح القانوني "مناطق مدارة"، وذلك بحسب استطلاع نشره موقع "واللا" الإلكتروني.

رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، كان اعتبر الأسبوع الماضي أن إسرائيل لم تحتل الضفة وإنما "حررتها".

بعد مرور خمسين عاماً على حرب 1967، قال 44% من الإسرائيليين إنهم لم يزوروا المستوطنات في الضفة إلا في حال كان ذلك من خلال العمل أو الخدمة العسكرية، بينما قال 30% إنهم لم يزوروا المستوطنات أبداً. وقال 32% إنهم زاروا المستوطنات خلال العام الأخير، بينما لم يتذكر 12% متى كانوا في الضفة الغربية آخر مرة. وقال ثلثان إنهم يعرفون مستوطنين بينما الثلث الأخير لا يعرفون أشخاصاً يسكنون في المستوطنات.

وبحسب الاستطلاع، فإن الإسرائيليين يتعاملون مع القدس المحتلة بشكل مختلف عن تعاملهم مع الضفة الغربية، وقال نصف المستطلعين إنهم زاروا البلدة القديمة أو أحياء القدس الشرقية خلال العام الأخير.

وقال 3% فقط إنهم لم يزوروا القدس أبداً، و12% إنهم لم يزوروا القدس في السنوات العشر الأخيرة.

وتم إجراء هذا الاستطلاع على عينة مؤلفة من 518 شخصاً، 83% منهم يهود.

كذلك فإن 29% من المستطلعين يسكنون في القدس المحتلة والمستوطنات في الضفة. ولذلك، بحسب الموقع الإلكتروني، فإن الكثيرين من نسبة 32% من المستطلعين الذين قالوا إنهم زاروا الضفة الغربية خلال السنة الأخيرة، ومن نسبة 50% الذين قالوا إنهم زاروا القدس المحتلة خلال السنة الأخيرة، زاروا هذه المناطق المحتلة لأنهم مستوطنون يسكنون فيها.

المتطرفون بقيادة «الحاخام» نتنياهو احتفلوا بالذكرى الخمسين لاحتلالهم الضفة والقدس بعقد جلسة الحكومة بالقرب من ساحة البراق بالقدس القديمة المحتلة، وأقرت حكومته على خطة وصفت بـ "التطويرية"، بهدف تهويد مدينة القدس المحتلة والبلدة القديمة، وذلك ببناء مصاعد وممرات تحت الأرض للوصول إلى الحي اليهودي بالبلدة، وصولاً إلى حائط البراق.

ويشمل المشروع تطوير البنية التحتية بهدف تشجيع اليهود والسياح الأجانب على زيارة حائط البراق الذي يسمونه "حائط المبكى". ويتطلب تنفيذ هذا المخطط إجراء حفريات واسعة تحت الأرض وتحت ساحة البراق، ما يهدد الآثار العربية والإسلامية في المنطقة بالاندثار، حيث يهدف أيضًا إلى تحويل الساحة إلى مركز لليهود للسيطرة التامة على تلك المنطقة.

الخامس من يونيو حزيران هو اليوم الأطول في التاريخ. عمره الآن خمسون سنة. لم يزل يكبر ونحن العرب نصغر نصغر حتى نكاد نتلاشى عن خريطة العالم. خمسون سنة لم تجد مفاوضات ولا معاهدات ولا اتفاقات. ظل طريق العودة مغلقاً. لا خريطة طريق أوصلتنا ولا تنازلات أقنعت إسرائيل أن تنسحب من أراضينا المحتلة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات