عقدة الانفصال في بريطانيا

مضى عام بكامله على تصويت البريطانيين بأغلبية بسيطة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أن الجدل الداخلي لم ينقطع بشأن جدوى تلك الخطوة بالنسبة للمصالح البريطانية العليا.

حين وقعت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مرسوم الخروج الموجه إلى الاتحاد في مارس الماضي، خرجت معظم الصحف البريطانية بعناوين عريضة توحي بعدم اليقين إزاء المستقبل.

السيدة ماي استشعرت حيرة الرأي العام ورهبة ماهي بصدده من مفاوضات عسيرة، مع قوى مخلصة للفكرة الأوروبية وتخشى من انتقال عدوى التجربة البريطانية إلى آخرين، فقررت الدعوة إلى انتخابات عامة اليوم الخميس.

هذا إجراء لا يمكن النظر إليه بعيداً عن الرغبة في استطلاع ما إن كان البريطانيون ما زالوا عند رأيهم في الطلاق البائن مع الاتحاد.

لم تنكر ماي هذا المكنون: « من الضروري توفير قيادة مستقرة وقوية، تحتاج إليها البلاد لدعمنا خلال عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي وما بعدها».

ظاهر الحال وباطنه أن الوقت لا يعمل لصالح القوى المتعلقة بزمن العظمة والعزف والتغريد القومي البريطاني الشارد، بمعزل نسبي عن القارة الأوروبية.

يؤشر إلى ذلك، إطلال حقائق وشواهد على أن الاستفتاء قبل عام، قد تأثر بحملات دعائية قوية ضد العمل الاتحادي، اضطلع بها رجال أعمال ومال وزعماء سياسيون ذوو مصالح خاصة، استمالت المستفتين إلى جانب المغادرة.

في هذا السياق الخبيث، لم يتم التعريف بحجم الأعباء التي يتعين على البريطانيين الوفاء بها لاستكمال الخروج من عباءة الاتحاد،

من ذلك دفع تعويضات مستحقة على بريطانيا تقدر بنحو 64 بليون دولار.

إلى ذلك، بدأ سواد البريطانيين يكتشفون أن وجود أكثر من ثلاثة ملايين أوروبي في بلادهم، لا يمثل نقطة ضعف للاقتصاد البريطاني، بل إنه جاء بحكم الضرورات ومقتضيات قوانين العرض والطلب الطبيعية، وإن إجلاءهم سيخلف تداعيات اقتصادية سلبية.

هذا علاوة على أن دول الاتحاد أعلنت بوضوح أنها ستطالب بضمان حقوق مواطنيها في المملكة المتحدة، وفقاً لقوانين الاتحاد والعقود المبرمة بهذا الخصوص. يتصل بهذه النقطة، تكشف الأبعاد الضارة للتعنت والتجهم البريطاني في وجه المهاجرين عموماً، ففي دراسة حديثة تبين أن بريطانيا بحاجة إلى قرابة 200 ألف مهاجر سنوياً، لأجل تفادي «نتائج كارثية» على سوق العمالة، ذلك بالنظر إلى «ارتفاع معدل الشيخوخة بين المواطنين ونقص العمالة في بعض القطاعات مثل الصحة».

مضت الدراسة ؛ التي أجراها مركز التفكير جلوبال فيوتشر، إلى ان بريطانيا ستواجه تباطؤاً للنمو الاقتصادي في حال لم تتعامل بمرونة مع مصادر الأيدي العاملة.

الظاهر أن هذا التوقع هو السبب وراء فشل حكومة ما بعد الاستفتاء في الوفاء بوعدها، بتخفيض عدد المهاجرين إلى 100 ألف أثناء العام الأول من ولايتها.

غداة يوم الاستفتاء، قالت صحيفة الغارديان إن «بريطانيا تذهب إلى المجهول». اليوم، وبناء على حصيلة الحقائق الموضوعية ؛ المجردة عن أهواء الانعزاليين ومعارضي التوجهات الاتحادية، نظن أن هذا التقدير لم يعد صالحاً.

بريطانيا تمضي إلى مستقبل أصبح معلوماً، خلاصته أنها ستكون الخاسر الأكبر بفعل مغادرة قطار الاتحاد.

تتأكد صحة هذا الاعتقاد في ضوء بعض المعطيات الإقليمية الأوروبية ؛ التي راحت تعيد ترجيح كفة القوى الاتحادية.

من ذلك انكماش تيار الانعزاليين الشوفينيين في فرنسا بفعل هزيمة الجبهة الوطنية بزعامة ماري لوبان في الانتخابات الأخيرة، وتصاعد المخاوف من التنمر الأميركي في وجه الأوروبيين ؛ الذي توحي به تصرفات إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ينبغي ألا يمر نموذج التعامل البريطاني مع التجربة الاتحادية الأوروبية على فقه العلاقات الدولية مرور الكرام.

الموعظة هنا أن الحركة التعاونية أو الاتحادية الإقليمية، تظل في كل الأحوال أكثر نجاعة وجدوى لضمان المصالح الذاتية للوحدة الدولية قياساً بالسلوك الوطني أو القومي المنفرد.

* كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات