50 عاماً على النكسة

مرت علينا في الخامس من يونيو، الذكرى الخمسون لهزيمة منيت بها الأمة العربية في فلسطين، ولم تكن الهزيمة، التي عُرفت بعدها بالنكسة، على الصعيد العسكري فحسب، بل على جميع الصعد السياسية والاجتماعية والثقافية.

لمصطلح النكسة مدلولاته الفكرية العميقة والتي تشي بكثير من التفاؤل أو السذاجة أو التغافل عن الواقع، وتعبير نكسة دلالته أن الطريق لتحرير فلسطين أصيب بتراجع مؤقت تستعيد به الأمة عافيتها لتواصل معركتها ضد الغاصب.

تأريخ الحرب تعرض إلى تشويه متعمد ككل أحداث فلسطين من بداية بزوغ الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع حين ادعت أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، فالرواية الإسرائيلية عن حرب 1967 والمروجون لها أن الحرب قامت بسبب التصعيد من الجانب العربي وتوعد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بدحر إسرائيل.

يقول المؤرخ الإسرائيلي أيلان بابي إن كثيراً من النخب السياسية والعسكرية الإسرائيلية ومنذ حرب 1948 يستشعرون الندم في عدم احتلال كل الأراضي الفلسطينية من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وترى أن ترك أراضي الضفة وغزة تقع تحت السيطرتين الأردنية والمصرية خطأ تاريخي جسيم.

يضيف المؤرخ الإسرائيلي أن من خلال بحثه في الأرشيف الإسرائيلي تبين له أن بعض الشخصيات الإسرائيلية كادت أن تقنع القيادة السياسية بضرورة احتلال هذه الأرضي في العام 1958 والعام 1960، وقد ذكر موشي شاريت ثاني رئيس وزراء لإسرائيل في مذكراته أن التخطيط لاحتلال هذه الأراضي كان موجوداً منذ 1954 و1955، وقد أبلغت إسرائيل زعماء المنظمات الصهيونية الأميركية بهذه المخططات.

يرى بابي أن تحرك القوات المصرية في سيناء في 1967 لم يكن المقصود فيه الهجوم على إسرائيل بل لمنع إسرائيل من تنفيذ مخططها للهجوم على الأردن وسوريا، وقد عزز مخاوف عبد الناصر من الهجوم الإسرائيلي المحتمل المعلومات الاستخباراتية والتي قدمها الاتحاد السوفييتي عن حشد إسرائيلي لهجوم وشيك على سوريا.

يذكر الصحافي البريطاني آلن هارت أن إسحاق رابين والذي كان يشغل منصب رئيس الأركان أثناء الحرب صرح أن ناصر لم يكن ينوي الحرب وأن القوات التي أرسلها إلى سيناء في 14 من مايو لم تكن كافية لشن هجوم، ويضيف هارت أن أحد وزراء حكومة الحرب ذكر لاحقاً أن أسطورة إبادة إسرائيل من قبل العرب عشية حرب 1967 كانت تبريراً لاحقاً للحرب.

مع الساعات الأولى لاندلاع الحرب في صبيحة 5 يونيو وجه أبا ايبان، وزير الخارجية الإسرائيلي حينها، سفير بلاده في الأمم المتحدة لإبلاغ مجلس الأمن بأن إسرائيل تصد هجوماً برياً وجوياً مصرياً، وقد اقسم ايبان بأن مصر هي من بدأت إطلاق النار لتفادي اللوم وخاصة أن الرئيس الفرنسي حينها شارل ديغول أنذر بأن من يطلق الرصاصة الأولى سيكون المعتدي.

وعندما ثبت العكس بأن إسرائيل وجهت ضربة جوية لتدمير السلاح الجوي المصري، تغيرت الرواية إلى أن إسرائيل خاضت حرب دفاع عن النفس. ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن قال إن القوات المصرية في العام 1967 لم تكن تنوي الهجوم ويجب علينا أن نكون صادقين: «نحن من قرر الهجوم».

تشير مصادر إلى أن رئيس الوزراء ليفي اشكول كان معارضاً لشن حرب يشتهيها القادة العسكريون لإتمام حرب 1948. وقد كان الاستراتيجيون والعسكريون الإسرائيليون يرون أن الحدود الطبيعية لدولة إسرائيل هي نهر الأردن شرقاً ونهر الليطاني شمالاً وسيناء جنوباً.

وكان لهم ذلك، ولكن اشكول فطن إلى أن غنيمة الأراضي أتى بثمن وهو احتلال مزيد من الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، وعندما ستتحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية مثل جنوب أفريقيا، سيكتب المؤرخون أن حرب 1967 كانت بداية نهاية الدولة اليهودية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات