الفائزون الحقيقيون في الانتخابات الأميركية

لن تكون هيلاري كلينتون الرابحة الوحيدة عند هزيمة المرشح الجمهوري دونالد ترامب يوم الانتخابات (وذلك كما يبدو مرجحاً على نحو متزايد)، بل سيكون هنالك رابح آخر، وهو بول رايان، الذي سيهيمن على الجمهوريين.

قد يستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ، ولكنهم لن يستعيدوا مجلس النواب. لقد منح تلاعب الجمهوريين بمجلس النواب مقاعد آمنة. وهذا يعني أنه سيتعين على هيلاري كلينتون، في حال رغبت في تنفيذ أي أمر، عقد صفقات مع المتحدث باسم مجلس النواب، بول رايان.

وبينما لن تتم الإشارة إلى كلينتون/رايان بنوع الجمود الفظ ذاته، الذي شهدناه خلال السنوات الأخيرة، فإن صعود كل منهما سيشار إليه باعتباره فوزاً للشركات الكبرى و«وول ستريت»، وذلك على أقوى موجة مضادة للمؤسسة شهدتها البلاد منذ الكساد العظيم.

قد تكون كلينتون قادرة على حشد دعم بول رايان على أساس «قاعدة وارن بافيت»، وذلك بالنسبة إلى دافعي الضرائب الأعلى دخلاً، ما يعني فرض ضريبة الحد الأدنى الفعالة بنحو 30 % على الدخل الأعلى. وقد تكون قادرة على نيل بعض الإنفاق الإضافي على البنية التحتية والإجازة العائلية المدفوعة.

إلا أن السعر الذي يتوقع رايان أن يطالب به، سيكون معدل ضريبة أقل على الشركات، إلى جانب العفو الضريبي على أرباح الشركات التي تمت إعادتها للبلاد

. ولتعويض الإنفاق الإضافي وخفض الضرائب، قد يرغب ريان بأن تعمد كلينتون لخفض الضمان الاجتماعي (وربما إعادة إحياء الفكرة المروعة التي تتعلق بمؤشر أسعار الاستهلاك «المقيد» لتحديد الزيادات في تكاليف المعيشة، وإبطاء نمو الرعاية الطبية. لن يقدم كل ذلك الكثير لمعالجة التحديات الاقتصادية المركزية لعصرنا، الممثلة بعكس مسار الانخفاض في دخل وثروات معظم الأميركيين.

وعلى الرغم من ارتفاع دخل الفرد في عام 2015، فلا تزال العائلة العادية في وضع أسوأ اليوم، مقارنة مع ما كانت عليه في عام 2000. إذ تقدر أصول العائلة التقليدية اليوم بنسبة 14 %، وهو أقل من أصول العائلة التقليدية في عام 1984، وذلك بحسب «بيو تشارتبل ترستس». كما أن الوظيفية التقليدية أقل أماناً، مقارنة بأي وقت منذ الكساد العظيم.

إن تلك الاتجاهات غير المستدامة، لا من الناحية السياسية أو الاقتصادية. فقد أسهمت في إيجاد الغضب العارم الذي شكل أحد دعائم حملة ترامب البشعة، فضلاً عن إشعالها الغضب الذي دفع تمرد بيرني ساندرز. لقد غذت تلك الاتجاهات، الشعور المتنامي بأنه يجري التلاعب بالنظام السياسي الاقتصادي لصالح من هم في القمة.

والأمر كذلك بالفعل. فقد أدت الأموال الهائلة لفساد ديمقراطيتنا، وهو ما أفضى إلى وجود قوانين وأحكام تحبذ بشكل نموذجي، الشركات الكبيرة، وول ستريت، والأثرياء، مقارنة بأي أحد آخر.

خذ، على سبيل المثال، تنامي القوة السوقية للشركات الرائدة في مجال الأدوية، وشركات التأمين الصحي الخاصة، وبنوك وول ستريت الكبرى، ومزودي خدمات الكوابل العملاقة، وأكبر أربع شركات طيران، فضلاً عن أكبر خمس شركات للتكنولوجيا الفائقة. وبالمقابل، تناقص القوة السوقية للنقابات.

يعمل الاختلال الناتج على أخذ الأموال من جيوب معظم الأميركيين، وصولاً إلى جيوب كبار المساهمين والمسؤولين التنفيذيين.

ويحدث مثل ذلك التوزيع نحو الأعلى، من خلال قوانين الإفلاس التي تسمح للمؤسسات العملاقة وأصحاب المليارات، بتجنب دفع ما يدينون به، مع عدم السماح للناس العاديين، المثقلين بالرهون العقارية أو ديون الطلاب، بإعادة التفاوض على تلك الالتزامات.

إن شروط التحكيم الإلزامية، في العقود المبرمة مع الشركات الكبرى، باتت تجبر الناس على التخلي عن الحقوق، بموجب مجموعة واسعة النطاق من القوانين المتعلقة بالمستهلك والعمل. وفي غضون ذلك، فإن العمال المصنفين باعتبارهم «متعاقدين مستقلين»، يخسرون كافة الحقوق التي كانت لديهم في يوم من الأيام، بموجب قوانين العمل.

وفي ما يخص كل ما سبق، فإن الاقتصاد السياسي الأميركي، أصبح مختلاً في توازنه، على نحو أساسي. ومن المرجح أن تتم الموافقة على إصلاحات كل من هيلاري كلينتون وبول رايان، مقارنة بحجم ذلك الاختلال.

نأمل أن يتمكن قادة الشركات الكبرى ووول ستريت، الذين هم الفائزون الحقيقيون في انتخابات عام 2016، أن يدركوا أنه على الرغم من تجنبهم، هذه المرة، للشعبوية الاستبدادية لترامب، والتمرد السياسي لبيرني ساندرز. فإنهم لن يتمكنوا من تحقيق هذا الأمر لفترة أطول من ذلك.

خلال العقود الأولى من القرن العشرين، انضم قادة المشاريع التنويرية إلى الإصلاحات التقدمية لإعادة موازنة الرأسمالية الأميركية، ليتمكنوا بذلك من إنقاذها من أوجه عدم المساواة والفساد. وفي حال فهم قادة الأعمال المستنيرين ما حدث في انتخابات عام 2016، فإنهم سيحققون ذلك، مرة أخرى.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات