00
إكسبو 2020 دبي اليوم

ربع قرن من التنوير

ت + ت - الحجم الطبيعي

مضت السنون سريعاً على إطلاق تلفزيون MBC-TV إم بي سي، لكنها رحلة ليست بلا متاعب، فالكثير من ساعات بثها كانت حروباً طويلة ومتعددة. لم تكن مجرد محطة عادية، ولا ظهورها مجرد ملء للفراغ بقناة ترفيهية أو التكسب منها تجارياً. من منظورنا كإعلاميين ومهتمين بالتحديث ومشاهدين، لمسنا، عندما أسسها الشيخ وليد هدفاً أسمى، ولهذا السبب سريعاً استهدفتها سهام رماة رافضي التحديث والتنوير والسير إلى الأمام.

مؤسسها، ومنذ العام الأول، الذي أطلق فيه المحطة من لندن، كان محل تقدير الإعلاميين والمثقفين العرب، لأنه حقق لهم ما يشبه الحلم، حيث تحدى الوضع القائم من الممنوعات، وتجرأ على القفز فوق الحدود.

الآن، وبعد ربع قرن من ظاهرة «إم بي سي»، هل يمكننا أن نقول إن التغيير المنشود قد حدث؟ نعم ولا. نستطيع أن نقول بعد ربع قرن إن «إم بي سي» قادت التغيير، ودعمت التحديث، وغيرت عالمنا إلى الأفضل، هذا أمر لا يستطيع أن ينكره أحد. حتى الذين يحاربونها، كفكرة ومؤسسة، يعترفون بأنها غيرت لكنهم يشتكون من أنه تغيير إلى الأسوأ، وهي تبقى شهادة للمؤسسة الإعلامية العتيدة لا ضدها. قادت الإعلام العربي من العصر الحجري إلى فضاء أوسع وأكثر تمدناً.

لا تزال، إلى اليوم، نافذة حضارية ليبرالية في عالم عربي منغلق على نفسه، ومتخلف عن شعوب العالم. وهي، أيضاً، شاهد حي على أن في السعودية، التي توصم بالتطرف والتحجر، أفراداً ومؤسسات تقوم بدور قاطرة التنوير والتغيير والسلام في منطقة الشرق الأوسط. ومن يزور مركز المجموعة الرئيسي في دبي، سيقرأ على مدخله عبارة جميلة تقول، «نرى الأمل في كل مكان». هذا ما نحتاج إليه الأمل بمستقبل أفضل.

أما لماذا لا؟ فالمشهد الكبير، أي العالم العربي نفسه، لا يزال في حراك وصراع، ولا يزال يعاني. نجاح «إم بي سي» في الوصول إلى ملايين العرب ببث تلفزيوني خارج عن النص، أيقظ أيضاً الذين يرفضون التغيير. وعندما اكتشفوا أنهم أعجز من أن يوقفوا البث عابر الحدود من لندن، بفضل الأقمار الصناعية، قرروا خوض معركة البث بعد أن كانوا يتوعدون مشاهدي التلفزيون بدخول النار، ويكسرون الصحون اللاقطة له.

في مقابل هذه المؤسسة الحضارية قامت مؤسسات هدفها التعطيل ووقف التقدم، ظهرت محطات عديدة روجت التخلف الاجتماعي، والعنف السياسي، والفكر الديني المتطرف.

في الخمسة وعشرين عاماً عشنا وشاهدنا معارك كبيرة بين التقدم والتخلف، بين السير إلى الأمام والتقوقع في الماضي. خلالها أدرك دعاة التخلف، ورافضو التطور، خطر القناة والمؤسسة والأفكار والإعلام الحديث عليهم فقرروا مواجهتها. ولا شك أنهم نجحوا جزئياً في إبطاء القطار، ومكنوا المتخلفين والمتطرفين من فتح محطات تلفزيونية لهم تنافس على إدارة عقول ثلاثمائة مليون عربي.

ولا شك أنهم تسببوا في تشوهات كثيرة في العالم العربي وفي العالم كله، ومنها إنجاب تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش»، وقاموا بتعزيز نفوذ الجماعات التي تحاول فرض نموذجها الاجتماعي ووقف حركة التاريخ، لكننا نعرف من التاريخ نفسه استحالة إيقاف عجلته.

هم يعطلونها مؤقتاً فقط لكن التغيير من سَنَن الله، والتغيير طال كل مكان على كوكب الأرض، وسيتغير في منطقتنا والفضل لـ«إم بي سي» ومثيلاتها. قدمت هذه المؤسسة نماذج إنسانية للحياة مختلفة عن المألوف، قربت من العلاقات بين الأمم والحضارات، بادرت إلى دعم حب الأوطان ضد الأمميين والفاشيين.

بسلاح السخرية، أنزلت من قدسية الذين فرضوا أنفسهم سلطة وسلاطين لمعاقبة المجتمع بأكمله عندما يخالفهم، وتحدت مشروعهم بتقديم البديل من المسلسلات والبرامج والحوارات، وإنتاج شخصيات مبدعة، والترويج لأفكار خلاقة.

ولا بد أن نشكر الشيخ وليد على ربع قرن من التطوير والتجديد، ومعه الجيش الكبير من المبدعين الذين قدموا نموذجاً فنياً وفكرياً مميزاً. وبمثل هذه المؤسسة يمكننا أن نتطلع إلى مستقبل أفضل ينقلنا من الوضع الذي يصر البعض على حبسنا فيه.

طباعة Email