أزمة سوريا وجدية الموقف الأميركي

ت + ت - الحجم الطبيعي

حركة احتجاج شعبي في مدينة صغيرة مثل درعا السورية، ما كان لها أن تتحول إلى أزمة داخلية كبيرة، لولا وجود ما يكفي من الاحتقانات التي تنتظر صاعقاً لتفجيرها في معظم المدن الأخرى، لتصبح حرباً أهلية تسهم الاحتقانات المزمنة في المنطقة لنقلها إلى حرب إقليمية، تشترك فيها قوات من دول عديدة بشكل صريح أو مستتر، لتتحول في نهاية المطاف إلى أزمة مستعصية على الحل، لم يخلُ الموقف منها من تجاذبات ومشادات أميركية روسية.

بعد أن فشلت الجهود المتواضعة التي بذلتها الجامعة العربية لحل هذه الأزمة، استلمت الأمم المتحدة خيوطها، ومارس على التعاقب ثلاثة من كبار مندوبيها، دور الوسيط بين النظام والمعارضة في جنيف 1 ثم في جنيف 2، ثم استقرت هذه الخيوط بأيدي الولايات المتحدة وروسيا في تهميش صريح لدور المنظمة الدولية، التي أصبح آخر مندوبيها ديمستورا يعقد من اللقاءات مع وزيري خارجية هاتين الدولتين، أكثر مما يعقده مع أطراف النزاع في سوريا، بعد أن وجد نفسه عاجزاً عن عقد لقاء يجمع فيه أطراف النزاع. العقدة تتمحور حول مستقبل الرئيس السوري، الذي تصر المعارضة على رحيله، فإدارة الرئيس أوباما لم تفشل في إقناع روسيا بالموافقة على ذلك فحسب، بل أصبح موقفها من الرئيس الأسد أكثر قرباً إلى الموقف الروسي.

الحوارات بين وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا حول شؤون المنطقة الملتهبة، مرآة لسياسات دولتيهما، فسياسة الاقتحام التي تمارسها روسيا، مقابل سياسة التراجع التي تنتهجها إدارة الرئيس أوباما، تنعكس على مسارات الدبلوماسية الأميركية التي تتراجع أمام نظيرتها الروسية في مقاربة الأزمة السورية، فالجولات الدبلوماسية المستمرة بين الطرفين منذ سنة، لم يتمخض عنها تقدم يذكر لصالح الموقف الأميركي، بل أصبح جل طموحها التوصل إلى اتفاق لوقف النار لفترة وجيزة لإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة.

وذلك لأن الولايات المتحدة ليس لديها أوراق ضغط هامة للتأثير في الموقف الروسي، وربما لا تريد أن تستخدم هذه الأوراق، تجنباً لتصعيد عدائي مع موسكو غير راغبة أو مهيأة لخوضه زمانياً ومكانياً، وهي على أعتاب الرحيل، وبهذا، بقيت معادلات التوازن تصب في صالح نظام الرئيس الأسد وحليفه روسيا، ما أصاب الأوربيين بخيبة أمل مضاعفة، بعد أن همش دورهم في الجهود الرامية لإيجاد حل للحرب الدائرة في سوريا منذ خمس سنوات.

من جانب آخر، وعلى الرغم من أن ثنائي كيري – لافروف الحميمي الصلة، ليس له مثيل في تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين موسكو وواشنطن، إلا أن العلاقات الأميركية الروسية ليست في حالة حسنة، وقد انعكس ذلك بأوضح صورة في مؤتمر الناتو الأخير في يوليو المنصرم، حيث كانت «المخاطر الروسية» في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم وفي بحر البلطيق وبحر الصين، على رأس أجندة المؤتمر.

الروس والأميركان خصوم في جبهات المواجهات وفي أروقة المحافل الدولية، إلا أنهما حريصان من خلال كثافة اللقاءات بين وزيري خارجيتهما والتنسيق بين خبراءهما العسكريين، على تجنب الاحتكاك بين قواتهما الأقرب مكانياً لبعضهما على الأرض وفي الجو، لأن أياً منهما لا يرغب بالإخلال بقواعد اللعبة التي كانت سائدة إبان حقبة الحرب الباردة. التعاون الأميركي الروسي في سوريا، على ضيق مساحته والحذر الشديد السائد في حيثياته، هو الوحيد على مستوى التوافق والتفاهم بينهما في العالم.

ما يميز الأجواء المرافقة لأزمة سوريا، هو عدم حماس الدبلوماسية الأميركية في مقاربة الأزمة، فموقفها غير المبالي إلى حد ما، يعكس موقف الرأي العام الأميركي، الذي يولي جل اهتمامه لما قد يتعرض له الداخل الأميركي من هزات بسبب عمليات تنظيم داعش الإرهابية، فهو مع الحرب على هذا التنظيم، أما موضوع الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، فهو ليس في دائرة اهتماماته. إدارة الرئيس أوباما تريد أن يكون لها شيء تقدمه في شهورها الأخيرة في البيت الأبيض، ألا وهو النصر في الحرب على الإرهاب، فتنظيم داعش الإرهابي الأعتى بين نظرائه من التنظيمات الإرهابية، قد ولد في عهد هذه الإدارة.

من يمتلك مفاتيح القوة على الأرض في سوريا، هي روسيا والنظام، إلا أن الولايات المتحدة لها وجود محدود في الشمال، ولها دور في العمليات العسكرية الدائرة هناك بالاشتراك مع القوات الكردية المتحالفة معها، إلا أن المسرح السوري مثل الرمال المتحركة، فمعادلة الاتزان هذه قابلة لأن تنكسر، إن لم يكن في عموم سوريا، ففي بعض أجزائها الهامة، إن طال أمد الأزمة، وهو أمر مرجح، لحين مقدم الإدارة الأميركية الجديدة. فالولايات المتحدة تتعرض لضغوط من حلفائها حول هشاشة وضعف موقفها، فمؤتمر لندن لأصدقاء سوريا الذي عقد مؤخراً، جاء مسانداً للمعارضة السورية ومتبنياً لرؤيتها.

إلا أن الضغط الأكبر جاء من جانب تركيا، التي توغلت قواتها في الأراضي السورية لاحتواء تحركات المقاتلين الكرد، لضمان أمنها القومي، ولتذكير الولايات المتحدة بأهمية دورها، خاصة ما يتعلق بمآلات الوضع في سوريا، الذي سيكون له تداعيات على معادلات التوازن في المنطقة، فقد أعلنت على لسان رئيسها أردوغان، أنه لم يعد بوسعها التراجع، وعليها القيام بدورها الإقليمي. من الصعب تصور بقاء الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة في حالة فقدها ثقة الأوروبيين وثقة حلفائها الإقليميين بجدية السياسات التي تنتهجها في المنطقة.

طباعة Email