عن نظامين إقليميين مأزومين

ت + ت - الحجم الطبيعي

الظاهر أن النظام الإقليمي العربي لم يعد وحيد زمانه في المعاناة من لعنة التحولات السلبية قياساً بالنظم الإقليمية البارزة، الدليل الأقوى على هذه الحقيقة هو أن النظام الأوروبي الإقليمي القاري على الشاطئ الشمالي للمتوسط، بات بدوره مرشحاً للوقوع في حبائل حيرة الحاضر وضبابية المستقبل.

المثير في هذا التعميم، أن الوحدويين العرب لطالما عضوا على أناملهم من الغيظ، وهم يبصرون النجاحات المتوالية للتجربة الأوروبية مقابل تعثر جهودهم وخيبة رجائهم.. وذلك على الرغم من السبق التاريخي للتجربة العربية من ناحية، وتفوقها وتميزها لجهة توفر الجوامع والقواسم القومية المشتركة بين أعضائها من ناحية أخرى. وها قد جاءت اللحظة التي يصح عندها الزعم بأن كلاً من النظامين المشاطئين للمتوسط، أصبحا متقاربين، ان لم يكونا متماثلين، في هموم التقزم والتعرض لرياح القلق وقلة الحيلة والتنازع الداخلي والبحث عن وضوح الرؤية.

بقليل من المبالغة، يجوز الاعتقاد أن النظام الأوروبي يمضي بخطوات متسارعة نحو مصير قد يزيد بؤساً عما يكابده مجاوره العربي. والى حين ورود مستجدات أخرى، تبدو تجليات هذه الملاحظة على صعيد الشكل والابعاد الهيكلية بأكثر مما هي على الصعد الموضوعية. من ذلك مثلا، أن العرب أفلحوا لغير مرة في الحيلولة دون خروج بعض أعضاء النظام والتحليق بأنفسهم خارج السرب.

الأكثر إيلاماً بالنسبة للاتحاديين الأوروبيين، أن السابقة البريطانية أضحت تداعب وجدانات قطاعات ايديولوجية وسياسية في عدد من بلدان التجربة المؤسسين.. ففي فرنسا، منح القرار البريطاني طاقة دفع قوية لحزب الجبهة الوطنية، ذي النزعة الشوفينية المتطرفة، حتى ان زعيمته ماري لوبان ونائبها فلوريان فيلبو يناديان الآن جهرة بإجراء استفتاء مماثل على غرار الفعلة البريطانية. وفي ايطاليا، لا يغادر رئيس حزب رابطة الشمال مناسبة، دون أن يؤكد فيها على ان بلاده ينبغي أن تكون الدولة التالية في توديع الاتحاد، وهناك دعوة مشابهة في هولندا، يتبناها أقطاب سياسيون زاعمين بأن «.. التخلي عن عباءة الاتحاد، سيجعل الهولنديين أحراراً في تولي شؤون بلادهم وادارة أموالهم وحدودهم وسياساتهم..».

في معرض المقارنة واستقاء الدروس، ربما وجدنا عذراً للغاضبين أو الساخرين من التجربة العربية، كونها لم تحقق موضوعياً معظم المرادات والأهداف التي تهفو إليها نفوس العرب من المياه الى المياه. وقد يقال بالخصوص إن النظام العربي بمواثيقه وفلسفته وآليات عمله، التي رعتها الجامعة العربية ، تسببت في إعاقة التجربة الوحدوية ، وهذه مبررات كافية لانتقاد التجربة أو ربما لنقضها وإزاحتها من الأساس، والبحث عن بدائل، انحدر بعضها الى درك الانعزال والارتداد الى العقائد الشعوبية، حيث الملة والطائفة والقبيلة وغيرها من الموروثات الأولية.

لكن ما الذي يدعو الأوروبيين إلى مثل هذه الارتكاسات وتفشي نزعات الارتداد والحرد والانغلاق على الذوات، إزاء تجربة حلقت بهم الى آفاق اقتصادية وسياسية وحقوقية رفيعة المقام، وبوأتهم مكانات سامية على كافة الصعد في طول العالم وعرضه؟! السؤال هنا هو ما الذي يجعل بعض الأوروبيين يتولون عن قبلتهم الاتحادية، ويتطلعون إلى النكوص عن توجه تلهج الألسن عالمياً بنجاحه وفتنته؟.. أين كلمة السر في تصرف ينم للوهلة الأولى عن غياب الحكمة والتعقل؟!..

طباعة Email