مرحلة ما بعد ترامب

بلغتني، أخيراً، مكالمة هاتفية من محلل سياسي بمدينة واشنطن، قال فيها بقناعة تامة: «شعبية ترامب آخذة في الانخفاض كحجر يتهاوى، ففي أعقاب يوم الانتخابات، سيصبح ترامب ضرباً من التاريخ، حيث أعتقد بأنه سيخسر الانتخابات».

غالباً ما يختفي مرشحو الرئاسة الخاسرون عن أنظار العامة. خذ على سبيل المثال ميت رومني، ومايكل دوكاكيس، مرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام ‏1988.

بيد أن دونالد ترامب لن يختفي، فهو يحتاج للاهتمام بالطريقة ذاتها التي يحتاج فيها الأشخاص العاديون للطعام.

في بادئ الأمر، سيعمد ترامب لشن هجوم على نتائج الانتخابات. إذ قد حذر، سابقاً، أتباعه من أنه «يجب علينا أن نكون حذرين لأنه سيجري التلاعب بالانتخابات، لكن آمل أن يراقب الجمهوريون الأمر عن كثب، وإلا ستتم هزيمتنا».

يصور الإعلان الأول لحملته الانتخابية، والذي تم إطلاقه أخيراً، مقر تصويت انتخابياً مع ظهور كلمة «مزور» في الخلفية لمدة تصل إلى أقل من ثانيتين. لن يكون لدى ترامب أي قواعد ثابتة للاعتماد عليها. ولن تكون هذه الانتخابات مثيرة للقلق، كانتخابات عام 2000. إلا أن الهدف منها لن يكون بالفوز، بل بإظهار مزيد من الشكوك حول شرعية انتخاب هيلاري كلينتون، بحيث يمكن لترامب مواصلة تغذية بارانويا اليمين.

لقد أظهر استطلاع، أخير، عن مركز بيو للأبحاث أنه، وحتى الآن، ليس لدى 51% من مؤيدي ترامب ثقة بدقة التصويت على الصعيد الوطني. ويأتي ذلك كتغير كبير مقارنة بمؤيدي المرشحين الجمهوريين الخاسرين، في عامي 2004 و2008.

يقال إن دونالد ترامب يدرس فكرة إطلاق شبكة إعلامية خاصة. وقد وظف، بالفعل، اثنين من أشهر دعاة اختلاق الشجارات، ألا وهما روجر اليس، المؤسس والمدير التنفيذي السابق لشبكة «فوكس نيوز»، وستيفن بانون، رئيس «بريتبارد نيوز».

ووفقاً لأحد المصادر، فإن منطق ترامب، يشير ذلك إلى أنه «سواء فزنا أو خسرنا، فإننا في خضم إحراز شيء ما هنا. لقد عملنا على إثارة قاعدة من السكان لم يكن لها صوت منذ وقت طويل».

وبعد إثارة سخطهم بشكل حقيقي، فإن الكثير من أنصاره الغاضبين والمتعصبين قبل حملته الانتخابية، أصبحوا أكثر تعصباً من ذلك تحت هيمنته.

قد يتسرب هذا السم إلى الأطفال الأميركيين. فقد أشار مسح أجراه مركز استطلاع «قانون الفقر الجنوبي»، واستهدف ألفي معلم، أخيراً، إلى أن حملة ترامب تنتج «مستوىً كبيراً من الخطر والقلق بين الأطفال من ذوي البشرة الملونة، وأن هناك تأجيجاً للتوترات الطائفية والعرقية في الصفوف الدراسية». «ولاحظ المعلمون زيادة في المشادات الكلامية والتحرش والخوف بين الطلاب الذين اعتبرت جنسياتهم وأعراقهم وقومياتهم أهدافاً لفظيةً، وذلك إبان جولاته الانتخابية».

أغلب الظن أن ما سيبقى بعد ترامب هو الأمر الذي استغله، ألا وهو الخشية على وضع اقتصاد البلاد. وستواصل العولمة والتشريد التكنولوجي تمزيق نصف السكان، ما سيعمل على إيجاد غوغائية أخرى.

لا تكمن المشكلة الحقيقية في العولمة أو في التغير التكنولوجي في حد ذاته. بل في أن أصحاب المصالح المالية في البلاد لن يمولوا السياسات الضرورية لعكس عواقبها، كالتعليم من الدرجة الأولى لكافة الشباب. ودعم الأجور بشكل يدعم العمال ويرفع من الأجور، فضلاً عن برنامج وظائف «خضراء» شامل، وإيجاد دخل أساسي للجميع.

لم تعرض كلينتون أي شيء من ذلك المستوى حتى لو من بعيد، كما أن الجمهوريين، (وهم من سيبقون في السلطة بلا شك)، لن يذهبوا لأبعد من ذلك على أية حال.

فما بعد ترامب، لا يبدو أن سياستنا ستظل مستقطبة كما السابق، ولكن ستظل منقسمة بين اليمين واليسار التقليدي، وذلك بين كونها مؤسسية وغير مؤسسية.

وسيترك ترامب الحزب الجمهوري في حالة انقسام شديدة بين طبقة الأثرياء المانحة والطبقة العاملة. وستترأس كلينتون حزباً منقسماً على نحو أقل دراماتيكية، وذلك بين الطبقة المانحة والقاعدة التقدمية.

الأمر الذي يطرح سيناريو مثيراً للاهتمام، وهو ماذا إذا تم ضم شعبوية ترامب الاستبدادية بتقدمية الشعبويين في مسعى لتأسيس حزب ثالث معارض للمؤسسة لإخراج أصحاب الأموال الهائلة من السياسات الأميركية؟

يمكن لذلك الاتحاد إثبات وجود قوة لا تقهر لانتزاع الاقتصاد والديمقراطية من اهتمامات الممولين الأثرياء.

ولا يعد ذلك أمراً مستحيلاً. فقد تم اعتبار هذه السنة كأغرب السنوات الانتخابية في التاريخ الحديث، لأن هناك شقاً كبيراً من الأميركيين، ممثلاً بالجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين، قد توصلوا إلى اتفاق يفيد بأنه قد جرى التلاعب بالنظام لصالح القوة والتميز.

ستتواصل الترامبوية، أو تأييد ترامب، حتى بعد تعرض الأخير لخسائر عدة. ويتمثل السؤال المطروح عما إذا كان بالإمكان انقاذ أي شيء جيد من حطامها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات