تسريب الأموال الأجنبية للحملات الأميركية

كرر دونالد ترامب مراراً وتكراراً: «دون حدود ليس لدينا دولة». ويكمن أكبر تهديد للسيادة الأميركية، بالنسبة له، في عناصر ثلاثية الأبعاد تجتاز حدودنا، كالواردات غير المرغوب بها، والمهاجرين غير الشرعيين.

لكنه مخطئ، لأن أكبر التهديدات التي تواجه السيادة الأميركية، تتمثل بالدولارات الرقمية، غير المرئية، التي تم إرسالها لحملات الانتخاب الأميركية من الخارج، ومع ذلك، يبدو أن ترامب يرحب بالنفوذ الأجنبي، مقارنة بديمقراطيتنا.

تعنى السيادة، بشكل عام، بقدرة الحكومة على الحكم، فالحكومة التي لا تخضع للمساءلة الكاملة تجاه مواطنيها، لن تعمد لتمرير القوانين التي تفيد وتحميهم، وليس فقط القوانين المتعلقة بالتجارة والهجرة، بل أيضاً القوانين المتعلقة بالأمن القومي والبيئة ومعايير العمل، والاقتصاد، وكل شيء. ولنقلها بطريقة أخرى، وهي أنه من دون ديمقراطية فاعلة، ليس لدينا دولة.

يعتبر طلب ترامب العلني في أن يعمل قراصنة كمبيوتر مرتبطون بالحكومة الروسية، على عرقلة وإضعاف خصمه السياسي هيلاري كلينتون، غيض من فيض بشأن نفوذه الأجنبي، كما كان يلتمس، وبكل نشاط، تمويل حملته من مسؤولي الحكومات الأجنبية في دول مثل بريطانيا وآيسلندا وأستراليا.

وبحسب تيري باتلر، وهي عضو في البرلمان الأسترالي، فقد تفاجأت بتلقي عروض من ترامب، تستدرجها لجمع التبرعات، وذلك على بريدها الإلكتروني الرسمي، طالباً منها تقديم «مساهمة كريمة» لحملته.

وقال بوب بلاكمان عضو مجلس العموم البريطاني، الذي تلقى طلبات تمويل من حملة ترامب: «لم أسجل الدخول، إذ يتم إرسال تلك الرسائل الإلكترونية دون أن يتم طلبها».

وقال بيتر بوتوملي لموقع «ذا هيل»، إن البرلمان البريطاني تلقى 3 من تلك الرسائل غير المرغوب بها. «ولم يُجب أبناء ترامب، ولا أي أحد آخر على أسئلتي بشأن كيفية حصولهم على عنوان بريدي الإلكتروني، أو عن أسباب طلبهم الدعم المالي الذي لا يجدر بترامب قبوله من الناحية القانونية».

وفي تصريح لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، قالت كاترين جاكوبسدوتير رئيس حركة «ليفت-غرين»، وعضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي في آيسلندا، إنه ليس لديها أي فكرة عن كيفية وجودها على قائمة تمويل دونالد ترامب.

يتعين على أحدهم إعلام ترامب، بأنه من غير المنطقي بالنسبة إلى المرشحين لمنصب فيدرالي، طلب الأموال الأجنبية، بغض النظر عما إذا تم جمع التبرعات أم لا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأفراد الأجانب والمؤسسات والحكومات ممنوعة من تقديم الأموال، بصورة مباشرة، للمرشحين الأميركيين، ناهيك عن الإنفاق على الإعلانات للتأثير في الانتخابات الأميركية.

لماذا لم تتم مساءلة ترامب؟، لأن لجنة الانتخابات الفيدرالية المكلفة بإنفاذ القانون تزدحم بالجمهوريين.

إذن، كل ما تبقى لدينا، هو مرشح رئاسي يصرخ بأعلى صوته محذراً من التهديدات التي توجهها التجارة والهجرة للسيادة الأميركية، في حين يحث مسؤولي الحكومات الأجنبية على المساومة على السيادة الأميركية.

ولا يتوقف النفاق عند هذا الحد، فمؤيدو ترامب من أمثال السيناتور عن ولاية ألاباما، جيف سيشنز، العضو البارز في اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ، يهرعون لإلقاء اللوم على المؤسسات الأميركية العالمية بسبب تجاهل الحدود الأميركية.

وقال سيشنز: «يبدو أن هنالك وجهة نظر، بالأخص في كثير من مجتمعاتنا للأعمال. فقد تم الانتقال، بالفعل، إلى الوضع العابر للحدود الوطنية»، مضيفاً «مع رؤية العالم من منظور مختلف، فالحدود مجرد عقبات بالنسبة لهم».

ومع ذلك، فإن الطريقة الوحيدة التي سيحظى من خلالها الأميركيون بفرصة كفاح للحصول على الصفقات التجارية التي تصب في مصلحتنا، أو أي نوع آخر من التشريعات التي تساعد الغالبية العظمى من السكان، تتمثل بتشديد تدفق أموال الشركات العالمية لصالح السياسة الأميركية.

وتعتبر المحاكمات، إحدى أبرز المدافع بالنسبة إلى قضية المواطنين المتحدين ضد حكم لجنة الانتخابات الفيدرالية، إذ يتسلم زمام تلك المؤسسات، أشخاص يمكنهم الإسهام في حملات الناخبين.

ليس من المصادفة أن يفتح القرار في قضية «المواطنين المتحدين»، الباب للمؤسسات العالمية للتأثير في الانتخابات الأميركية.

فقد ذكر موقع «ذي إنترسيبت» أخيراً، أن اثنين من المواطنين الصينيين، يعيشان في سنغافورة، ويملكان شركة أميركية يطلق عليها اسم «أميركان باسيفيك إنترناشيونال كابيتال»، ويضم مجلس إدارتها، نيل بوش (شقيق جيب). وقد تبرعت المؤسسة خلال العام الماضي، بنحو 1.3 مليون دولار أميركي إلى لجنة العمل السياسي الداعمة لجيب بوش.

هناك سبب يفضي للاعتقاد بتسريب الكثير من الأموال الأجنبية للحملات الانتخابية الأميركية، سواء من خلال الكيانات المعفاة من الضرائب، التي لا يجب عليها الكشف عن هوية مانحيها، أو من خلال الشركات المانحة، أو من خلال لجان العمل السياسي الفائقة، أو من خلال ما يسمى بـ «الشركات الشبحية» التي لا تزال ملكيتها غير معروفة. ولا تقتصر المشكلة على حملة دونالد ترامب أو الجمهوريين. فقد كانت كل من هيلاري كلينتون والديمقراطيين يتلقون أموالاً أجنبية أيضاً. ومرد ذلك، امتلاك بعض الجهات الأجنبية الخاصة كبرى الشركات الأميركية التجارية. إذ قدرت وزارة الخزانة الأميركية، أن نحو ربع إجمالي القيمة المالية السوقية للشركات الأميركية، مملوك لدى دول أجنبية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات