00
إكسبو 2020 دبي اليوم

وسائل التواصل والأنا ‬‬‬

ت + ت - الحجم الطبيعي

تتنوع تعبيرات الأنا عن ذاته، فمنه من يحضر عبر الثروة، ومنه من يحضر عبر السلطة السياسية، ومنه من يحضر عبر الجاه، ومنه من يحضر حول المهنة وهكذا فقد جاء حين من الدهر احتكرت فيه النخبة الثقافية الكتابة أداة للحضور، فحضر الشاعر والقاص والأديب والروائي والمفكر والفيلسوف والصحفي في الصحيفة والمجلة والكتاب.

أما الآن فقد أنهت وسائل الاتصال الجديدة هذا الاحتكار، ‬فأتاحت الكتابة على فيسبوك وتويتر للكائن العربي الذي يجيد الكتابة والقراءة أن يظهر وأن يُرى، إذ لأول مرة يحضر الأنا بكل ما ينطوي عليه من حالة ثقافية وموقف سياسي ومستوى أخلاقي ودرجة معرفة وبنية نفسية.

وأهداف صغيرة وأهداف كبيرة، ورغبات وأوهام، عبر الكتابة على فيسبوك وتويتر. لم يعد ضرورياً أن يكون الأنا كاتباً كي يظهر عبر الكتابة، فالجميع الآن، ممن يجيد الكتابة كما قلنا، باستطاعته أن يظهر على الناس ويقول: «لهم هو ذا أنا».

لقد أتاحت لنا هذه الميزة لحضور الأنا وسيلة صالحة لمعرفة تنوع أهواء الناس ومشاعرهم وتفكيرهم ومواقفهم، بحيث قد تغني علماء النفس وعلماء الاجتماع عن إجراء استبيانات علمية - أكاديمية لمعرفة اتجاهات الرأي وميول الناس.

وبوصفي كاتباً ولي إطلالة يوماً على الناس من خلال صفحاتي على فيسبوك، فلقد انتبهت إلى أمرٍ خطير ألا وهو ضعف قيمة الآخر في الكتابة على صفحات فيسبوك، إن لم أقل غيابه. فَلَو تركنا الأصدقاء المفترضين والحوار المعقول بينهم، سنجد أن الحوار مع المختلف معدوم جداً.

كيف تتبدى صورة نفي الآخر على صفحات فيسبوك؟ يتبدى ذلك في التعبير عن الاختلاف المتنوع، ويظهر التعبير عن الاختلاف بوصفه نفياً للآخر بعدة أشكال

أولاً: الشتيمة. والشتيمة نوع من العنف المعنوي الممارس على الآخر قصد إيذائه. وكانت تتم في الغالب وجهاً لوجه بين المتخاصمين الذين يعرفون بعضهم بعضاً في الغالب، ولأنها كانت تتم وجهاً لوجه كانت محدودة الألفاظ بسبب الخوف من تحولها إلى شجار بالأيدي. أما الآن، فإنها تتم على صفحات فيسبوك وبين المختلفين مسافات طويلة، مختلفين لا يرى أحدهم الآخر بل لا يعرفه.

لقد أتاحت المسافة البعيدة لهذه للنفوس وبشكل خاص لمن هم من صنف الرعاديد أن تتزايد في الشتيمة شكلاً ومضموناً من دون شعور بالخوف من الآخر، وكيف يخاف من الآخر وهو لا يعرفه وتفصله المسافات الطويلة عنه؟

ثانياً الاتهام: فإنك لترى شخصاً يتهم آخر يعاديه أو لا يستحسنه بارتكاب أمور من شأنها أن تسيء له أمام الهيئة الاجتماعية، من دون أن يكون لذلك الاتهام سند أو سبب. بل قد يؤدي هذا الاتهام إلى نوع من إفساد الحياة إذا ما جرى تصديقه.

ثالثاً: التدخل في الأمور الشخصية وسرد الحكايات التي يجب أن تبقى محدودة بين الأصدقاء، لأنها من طبيعة عفوية جرت في وسط محدود ممن كانوا مقربين.

رابعاً وأخيراً: فإنه من أغرب الغرائب أن تجد شخصاً لا تعرف عنه شيئاً، ينال من شخصية معروفة ذات حضور معنوي واسع وله مكانته في علم من العلوم بلغ في مسيرة البحث مبلغاً واسعاً، فضلاً عن بلوغه من العمر عِتيّاً، ويستخدم معه لغة خالية من الاحترام.

إن وصول جيل ما إلى مستوى نفي الآخر بهذه الصورة، يطرح علينا سؤال القيم وعلاقته بالتربية وبالمجتمع وبالسياسة أيضاً، فقيمة الاحترام من القيم التي تخلق التماسك الاجتماعي، والذكاء العاطفي، فما معنى المجتمع إن لم يكن فيه الآخر موجوداً؟

 

طباعة Email