أزمة الاقتصاد السياسي لأميركا

في خطابها الذي أعلنت فيه قبولها ترشيح الحزب الديمقراطي لخوض انتخابات الرئاسة، قالت هيلاري كلينتون إن البلاد كانت تشهد «لحظة مكاشفة مجدداً»، وهي محقة، إلا أن المكاشفة ليست الخيار الذي يواجهه الناخبون للاختيار بينها وبين دونالد ترامب. المكاشفة الحقيقية أكبر من ذلك، وستمتد إلى ما بعد يوم الانتخابات.

ومع ذلك، يتوقع المطلعون على حيثيات الأمور في واشنطن العودة لأعمال السياسة، كالمعتاد. فقد بت أسمع، بالفعل، استبعاد الجمهوريين لدونالد ترامب، باعتباره شخصاً غريب الأطوار، إذ قال أحدهم: «على نحو اعتيادي، لن تكون لدى ترامب فرصة للفوز، إلا أنه يفوز لأن ليس أمامه منافس واضح حتى النهاية».

ولقد سمعت قصة مشابهة من ديمقراطيين يحاولون توضيح موقف بيرني ساندرز. فمنذ وقت طويل، أخبرني مستشار ديمقراطي بأن «حملته كانت استثنائية، ولكن جرى انتخاب هيلاري، وستمضي واشنطن طريقها وكأن شيئاً لم يكن».

إنهم يريدون الرجوع لأعمالهم كالمعتاد، لأن الكثير منهم يجنون رزقهم من ذلك العمل، في الشركات الكبيرة، مثل وول ستريت، أو حتى الأثرياء، كالمستشارين السياسيين، وجماعات الضغط، ومحاميّ المؤسسات، واختصاصيي العلاقات العامة والعلاقات الحكومية، وموظفي المنظمات التجارية، والخبراء المؤمنة أموالهم.

لكن ترامب لا يشكل انحرافاً عن المسار فقط، كما أن ساندرز ليس مجرد شخص لامع، فكلاهما يعكسان بطرق مختلفة أزمة في اقتصادنا السياسي.

ففي استطلاع أجرته منظمة «غالوب» منتصف شهر يوليو الماضي، قال 82 % من المشاركين، إن أميركا كانت على المسار الخاطئ. وفي اقتراع لقناة «إن بي سي»/ وصحيفة «وول ستريت جورنال»، أجري قبل الاستطلاع السابق، أوضح 56 % من المشاركين أنهم يفضلون مرشحاً يحدث تغيرات كبيرة للغاية في طريقة عمل الحكومة، بغض النظر عن مدى كون تلك التغيرات غير متوقعة.

لا تتمثل القضية الأساسية التي يتفاعل معها الجمهور بالإرهاب أو الطائفية. إذ لم نرَ تلك الأعداد عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولم نحصل على ذلك النوع من الردود في أواخر ستينيات القرن العشرين، عندما مزقت أعمال الشغب المدن الأميركية، وحينما كانت حرب فيتنام مستعرة.

بل تكمن القضية الأساسية في التلاعب باقتصادنا، بالعلاقة المشددة، على نحو متزايد، بين الثروة والسلطة السياسية. لقد كانت الأموال الوفيرة تشتري النفوذ السياسي لسن قوانين ولوائح تزيد من حجم تلك الأموال، الهائلة، في الأساس.

وبحسب ما قالته كلينتون في خطاب قبولها الترشح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي: «أعتقد أن اقتصادنا لا يجري على النحو المطلوب، لأن ديمقراطيتنا لا تعمل بالطريقة المطلوبة». فإن كلينتون على حق، إلا أنها لم تنهِ المنطق. فالديمقراطية لا تعمل بالطريقة المطلوبة، لأنه قد جرى إفسادها من خلال دفق الأموال الهائلة التي تتسبب في تغيير قواعد اللعبة لإيجاد أموال أكثر.

يدفع الأميركيون اليوم، الكثير من الأموال على الأدوية، مقارنة بإنفاق مواطنين في أي دولة متقدمة، وذلك لأن «صناعة الدواء الكبرى» تسن القوانين، لتمديد صلاحية الأدوية، ومنع شركات الأدوية من استخدام صلاحياتها لتقليل أسعار الدواء، فضلاً عن منع المتعاملين من شراء أدوية أرخص من كندا.

إننا ندفع الكثير من الأموال لخدمات الإنترنت والتأمين الصحي وتذاكر الطيران والخدمات البنكية، لأن قوى اللاعبين الرئيسيين في تلك الصناعات، باتت متزايدة على نحو كبير، فضلاً عن سماحها لتلك المؤسسات برفع الأسعار. كما قد تم، وبشكل ممنهج، إضعاف قوانين مكافحة الاحتكار.

تواصل كبرى بنوك وول ستريت جني فوائد مالية. ويحصد شركاء صناديق التحوط حزماً من الأموال بفضل المعلومات السرية.

لقد تم تصميم اتفاقيات التجارة حالياً لحماية الملكية الفكرية، والأصول الأجنبية للشركات الكبيرة. ولكن لم يجرِ سن أي قوانين لحماية إيرادات الأميركيين الذين يفقدون وظائفهم بسبب الموظفين الأجانب. تعتبر تلك ممارسة عادية في العاصمة واشنطن.

لدى كلينتون قائمة طويلة من المقترحات الجيدة لمساعدة العاملين التقليديين، إلا أن أياً منها لن يُنفّذ في حال ظلت واشنطن على حالها، وبقي التلاعب يحيط باللعبة الاقتصادية. وبدلاً من ذلك، سيزداد غضب الأميركيين، وسيصبحون أكثر تشاؤماً.

وتلك هي المكاشفة الحقيقية الخاصة بكلينتون والأميركيين. لم يبزغ دونالد ترامب من المجهول. هو الصرخة العالية والواضحة على امتداد السماء بشأن النظام الاقتصادي السياسي الأميركي الحالي.

نتمنى خسارة ترامب في نوفمبر المقبل، ولكن ما لم يتم الدفع بذلك التحذير قدماً، فإن الغضب العميق الذي أتى به، سينتج غوغائية محلية أسوأ من الحالية بكثير.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات