00
إكسبو 2020 دبي اليوم

المخاض الأميركي وآفاقه

ت + ت - الحجم الطبيعي

أسهم دونالد ترامب تنخفض بشدة في استطلاعات الرأي العام الأميركي حتى أن المراقبين يتحدثون الآن عن إمكانية فوز هيلاري كلينتون باكتساح.

لكن تلك ليست القضية مطلقاً. فناهيك عن أن مثل ذلك التوقع سابق لأوانه للغاية، فإن الحملة الانتخابية نفسها ستكون آثارها بالغة الخطورة وستؤثر بالضرورة على صنع السياسة الأميركية الداخلية والخارجية على السواء.

فالمتابع عن كثب للحملات الرئاسية المتعاقبة في العقود الأخيرة يدرك أن أكثر سوءات الحملة الراهنة ليس جديداً في طبيعته وإنما في درجته فقط. فليس جديداً في الانتخابات الأميركية، أولاً، أن يتسم أحد المرشحين بالفجاجة ولا أن يضمر بعض الملامح العنصرية.

لكن الجديد في الحملة الحالية هو الدرجة، أي انحطاط المستوى الذي وصلت إليه تلك الفجاجة والعلنية التي يتم بها التعبير عن مثل تلك الأفكار القبيحة.

وليس جديداً، ثانيا، أن تخلو حملة انتخابية من القضايا المهمة وتدور مجرياتها حول شخصية المرشحين، لكن الجديد هذه المرة هو الإمعان في تجاهل القضايا لدرجة أن يصرح أحد المرشحين بمواقف خطيرة في مغزاها ويستحيل عمليا تطبيقها ومع ذلك يظل في السباق أصلاً. وليس جديداً، ثالثا، أن يلعب المال دوراً هائلاً في حملات الرئاسة.

لكن الجديد هو أن النظام الأميركي بالكامل صار رهينة في أيدى أصحاب المال والمصالح. وليس جديداً، رابعاً، وجود شريحة غاضبة في المجتمع الأميركي لكن الجديد هو حجم هذا الغضب وكونه يأتي بالتزامن من يمين ويسار الساحة السياسية معاً.

وما من جديد، خامساً، في أن ينهزم أحد المرشحين ويفوز الآخر بأغلبية ساحقة، لكن التاريخ الأميركي يُعَلمنا أن هزيمة أحد المرشحين ليس معناها بالضرورة هزيمة الأفكار التي يمثلها.

فأولاً، ليست هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات التي تستخدم فيها عبارات فجة أو عنصرية في حملات الرئاسة. ولماذا نغوص بعيداً في التاريخ ؟ فمرشح 2012 الجمهوري، ميت رومني، الذي نافس أوباما، هو صاحب العبارة التي دخلت التاريخ بسبب فجاجتها، حين قال إنه لا يشغل باله بحوالي 47% من الأميركيين من المعتمدين بشكل أو بآخر على الحكومة الفيدرالية لإعانتهم، ولا يدفعون ضريبة دخل لأنهم لا يملكون شيئاً! فهو قال إن «هؤلاء سيعطون أصواتهم للرئيس لا محالة..

ووظيفتي ألا أهتم بهم. فلن يكون بإمكاني أن أقنعهم بأن يتحملوا مسؤولية أنفسهم..». أما العنصرية فظلت موجودة في خطاب المرشحين للرئاسة حتى بعد إنجازات حركة الحقوق المدنية ولكنها ظلت تستخدم لغة شفرية.

وكثيرة هي، ثانيا، الحملات الرئاسية، وعلى رأسها حملة 1996، خالية الوفاض من القضايا، لكن الجديد هو أن يقول ترامب مثلاً انه سيحظر دخول مسلمي العالم الولايات المتحدة ثم يظل يتقدم في السباق!

والمال ظل يلعب دوراً لا يستهان به في السياسة الأميركية. لكن الجديد اليوم هو السيطرة الكاملة لأصحاب الأموال دون أن يعرف أحد حتى هويتهم بفضل قرار المحكمة العليا الذي صدر في 2010 وفتح الباب على مصراعيه للشركات العملاقة وأصحاب الأموال دون رقيب.

لكن الأهم من هذا كله اليوم هو درجة الغضب الشعبي والذي عبرت عنه حملتي برتني ساندرز في اليسار ودونالد ترامب في اليمين، رغم الاختلاف الشاسع بين الحملتين. والأخطر هو تجاهل ذلك الغضب الشعبي كما هو واضح حتى الآن.

فحتى لو انهزم دونالد ترامب، فإن غضب جمهوره من البيض من الطبقة العاملة والذي يأخذ في أحيان كثيرة شكل تحميل المسؤولية للأضعف في المجتمع، أي الأقليات العرقية والإثنية والدينية والمرأة، يحتاج معالجة رصينة لا يمكن لهيلاري كلينتون لو فازت بالرئاسة القيام بها. فهي لو فازت ستفوز بأموال أصحاب المصالح وستتبع سياسات نيوليبرالية، مثلها مثل من سبقوها، تزيد من تفاقم أزمة الطبقة العاملة البيضاء.

الأخطر من ذلك أن هيلاري كلينتون بعدما حصلت على ترشيح حزبها، تخلت فوراً عن القطاع الغاضب على اليسار، أي جمهور ساندرز، واتجهت مزيداً نحو اليمين. وهي استراتيجية كان رائدها الأول زوجها كلينتون وصار على نهجه أوباما، وتقوم في جوهرها على اعتبار أصوات الأقليات واليسار مسلما بها لأنها لا يمكنها التصويت لصالح الجمهوريين، بمنطق «أهون الشرين».

وتجاهل قطاع البيض من الطبقة العاملة وهزيمة ترامب لا يعني أن أفكار الرجل قد ماتت. فالتاريخ الأميركي يعلمنا أن هزيمة باري جولدووتر الساحقة في 1964 كانت البداية الحقيقية لإعادة بناء التيار المحافظ في أميركا.

أما تجاهل اليسار، كما فعل بيل كلينتون وأوباما، فالجديد في حالة هيلاري هو أن الغضب الكاسح فيه يتمركز أساسا في جيل الشباب. وذلك الجيل لن يصمت طويلاً إزاء ممارسات الديمقراطيين الذين يتجاهلون مطالبهم ولربما خرجوا أصلاً من الحزب الديمقراطي.

الولايات المتحدة تبدو في مرحلة مخاض وربما ولادة حركة أو حركات اجتماعية جديدة. والحركات الاجتماعية وحدها هي التي غيرت أميركا. لكن السؤال، هل تكون حركة اجتماعية متطرفة أم حركة ملهمة تعالج السوءات وتفتح الآفاق.

 

طباعة Email