العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    استبدال دونالد ترامب

    المتخصصون في النظام السياسي الأميركي يعرفون جيداً أن ثلاثة أشهر من عمر الانتخابات الرئاسية وقت طويل يمكن أن تتبدل فيه الأمور بشكل جذري.

    والدليل على ذلك أن أسبوعاً واحداً منذ انعقاد المؤتمر العام لكل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي شهد تحولات راديكالية بالفعل. فترامب الذي كان في بداية الأسبوع يتقدم على هيلاري كلينتون بفارق خمس نقاط على الأقل في استطلاعات الرأي صار اليوم متخلفاً عنها بفارق تسع نقاط في بعض الاستطلاعات وستة في غيرها.

    والحزب الجمهوري الذي سعى قدر استطاعته أن يظهر بمظهر التماسك والوحدة خلف مرشحه في المؤتمر العام بدا في أسوأ حالات انقسامه العلني بعد المؤتمر. أما المرشح نفسه فلم يتوقف عن سيل التصريحات التي كان كل منها أسوأ من الذي يسبقه حتى أن صحفاً ومجلات أميركية معتبرة راحت تتحدث علناً عن بدائل الحزب الجمهوري «للتخلص» من ترامب وربما التقدم بمرشح آخر للرئاسة!

    كانت البداية هي الهجوم الشرس الذي شنه ترامب على العائلة المسلمة التي فقدت ابنها الجندي في الحرب والتي قدمها مؤتمر الحزب الديمقراطي. فرضا خان وقرينته اعتليا منصة مؤتمر الحزب فتحدث الأب عن ابنه الذي مات جندياً أميركياً في ساحة الحرب دفاعاً عن بلاده مهاجماً ترامب الذي قال إنه سيحظر دخول المسلمين لأميركا.

    وبالطبع لم تسلم الأسرة من الهجوم الذي طال أم الجندي فقال إنها «وقفت صامتة» لجوار زوجها وهو يتحدث، كونها امرأة مسلمة لا يحق لها الكلام، الأمر الذي استعدى المسلمين الأميركيين بل والمرأة الأميركية عموماً. وقد استفزت تلك التصريحات رموزاً جمهورية رفضت هجوم ترامب، منهم السناتور ليندزي جرام والسناتور جون ماكين الذي أصيب في حرب فيتنام بعاهة مستديمة، فضلاً عن رئيس مجلس النواب بول رايان. وكل من هؤلاء نأوا بأنفسهم وبحزبهم علناً عما قاله ترامب. فما كان من ترامب إلا أن راح يهاجم كل من انتقدوه تماماً.

    لكن الأسوأ أنه قال علنا إنه لن يدعم رئيس مجلس النواب بول رايان في حملته الانتخابية رغم أن الأخير حضر المؤتمر العام للحزب وألقى فيه خطاباً أعلن فيه بوضوح دعمه لترامب كمرشح الحزب للرئاسة.

    وكانت تلك بمثابة القشة لدى الكثير من الجمهوريين وأدت لمزيد من الاحتقان داخل الحزب، فأرسل رئيسه، رينولد بريبوس، لحملة ترامب يطلب إبلاغ المرشح رسمياً استياءه الشديد إزاء موقف ترامب من حملة بول رايان الانتخابية.

    وترامب الذي يتعهد بصيانة الأمن القومي الأميركي هو الذي قال علناً إنه يطالب الروس باختراق إلكتروني لأميركا لإعلان رسائل هيلاري كلينتون الإلكترونية..

    وهو ما أثار مجتمع السياسة الخارجية الأميركي باعتباره استعداء لقوة أجنبية ودعوة لها للتدخل في الانتخابات. وترامب الذي عاد ليقول إنه قال ما قال على سبيل السخرية لا أكثر أعلن أنه لم يقابل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد أن كان قد قال فيما سبق إنه يعرفه جيداً ويحبه.

    غير أن أخطر ما قاله ترامب هو استخدامه العنف اللفظي في الإشارة للمتحدثين في المؤتمر العام للحزب الديمقراطي حين قال إنه يود لو «يضرب» عدداً منهم «وأحدهما تحديداً بقوة حتى ينفلق رأسه».

    غير أن أخطر ما يجري اليوم في أميركا هو ما صار ينشر في الصحف حول إمكانية التضحية بترامب واستبدال الحزب الجمهوري مرشحاً آخر بترامب. فالإعلام الأميركي لا يغطي فقط الانتخابات الأميركية وإنما هو أحد فاعليها الرئيسيين. فهو يصنع المرشحين وأحياناً ما يساعد أحدهم على النصر.

    ولا يختلف المحللون على أن هذا الإعلام كان أحد صناع ترامب كمرشح للرئاسة. فالتغطية الإعلامية اللا محدودة لحملته في المرحلة التمهيدية منحت ترامب هدية مجانية بينما كان على منافسيه أن يدفعوا أموالاً باهظة للدعاية التليفزيونية.

    ثم إن الإعلام الأميركي، اللاهث وراء الإثارة والتشويق، غطى حملة ترامب في أغلب الحالات بمنطق التسلية دون أن يسأله عن مواقفه من القضايا المختلفة ولا استضاف من يسائله بشأن إهاناته الواسعة لقطاعات بعد الأخرى من الأميركيين، وسمح لرسالاته العنصرية أن تذاع وتنشر على نطاق واسع.

    ومن هنا، فإن التأكيد المنظم هذه الأيام على سيناريوهات التخلص من ترامب أو انسحاب ترامب بنفسه تسترعي الانتباه وتستدعي المتابعة من هذه الزاوية تحديداً، أي دور الإعلام الأميركي في إعداد الساحة الأميركية لمثل ذلك السيناريو.

    لكن الخطير في الأمر أن ترامب الذي أخرج مارد التفوق الأبيض من قمقمه واستخدم عنفاً لفظياً لا محدوداً تجاه غير البيض والمرأة لن يتلاشى بتلك السهولة. فأنصاره وجمهوره، الذين كان يقف بعضهم مسلحاً أمام قاعات المؤتمر العام للحزب الجمهوري لحماية ترشح ترامب، لن يقبل استبداله أو انسحابه ببساطة.

    لكل ذلك، يتأكد فعلاً أن هناك الكثير مما قد يحدث في الشهور الثلاثة المقبلة قبل الاقتراع العام في أميركا التي قد تشهد الساحة فيها تحولات راديكالية فعلاً.

     

    طباعة Email