العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    نسافر عنه كي نعود إليه

    في العاصمة التشيكية براغ، التي حاول شعبها، بقيادة الإصلاحي ألكسندر دوبتشيك، ذات ربيع هو الأشهر في التاريخ الحديث، أن ينتهج اتجاهاً إصلاحياً أقرب للديمقراطية منه إلى الاتجاه الذي كان ينتهجه الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي الحاكم وقتها، فتم إجهاض محاولته باجتياح عسكري لتشيكوسلوفاكيا من قبل قوات حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي في شهر أغسطس من عام 1968، لتوأد إصلاحات دوبتشيك، ويبقى تأثير «ربيع براغ» في الخيال الثقافي العالمي، رغم إساءة استخدام المصطلح من قبل البعض.

    في هذه العاصمة التي تعبق برائحة التاريخ، وبينما كانت الباخرة السياحية تشق بنا نهر «فلتافا» الذي يقسمها إلى نصفين، تذكرت شاعر العراق العظيم محمد مهدي الجواهري، الذي عاش في هذه المدينة سنوات عدة، بعد أن غادر العراق عام 1961 على أثر خلافه مع عبدالكريم قاسم الذي كان مقرباً منه في سنوات الانقلاب الأولى على الملكية، لتبدأ هجرته الطويلة من وطنه.

    تذكرت الجواهري وهو يعيش في هذه المدينة الجميلة بنهرها الساحر، ومبانيها التاريخية العريقة، ثم بعد عام واحد فقط من إقامته فيها يتذكر وطنه العراق، بنهره، ونخله، ونواسيّه، وهارونه، ولياليه الألفية، وقرع نواقيسه في عيد الشعانين، فيطلق رائعته الشهيرة «يا دجلة الخير»، التي بدأها بتحية سفح دجلة من على البعد، لائذا به، ظمآنا، معترفا بأنه ورد عيون الماء كلها فما أطفأت ظمأه:

    إني وردتُ عيونَ الماءِ صافيةً نبعًا فنبعًا، فما كانت لترويني

    كانت الباخرة تعبر بنا النهر، وكان صوت الجواهري يصل إليّ مختلطا بالشرح المصاحب لمرورنا على أهم المعالم الواقعة على ضفتيه، فأطلب الرحمة لشاعر العرب الكبير الذي مات قبل أن يرى وطنه ممزقا كما هو اليوم، وأعجب كيف يمكن أن يكون للوطن هذا التأثير الطاغي في نفوس البشر، وكيف تعجز أجمل بقاع الدنيا أن تجعل الإنسان يشعر بالسلوان عن وطنه لحظة.

    وانتقل معي هذا الإحساس إلى مدينة «كارلوفي فاري» التشيكية التي تحسبها قطعة سقطت من الجنة، عندما جلست في شرفة الفندق المقام على أحد مرتفعاتها، أتأمل السحاب الذي كان يمر معانقا قمم الأشجار، في طقس لم تكن حرارته تتجاوز 15 درجة مئوية في أكثر شهور الصيف حرارة في وطني الإمارات، فشعرت بالحنين إلى الوطن، ببحره، وصحرائه، وواحاته، وجباله، وشمسه، وطقسه، وعذرت الجواهري وغيره من البشر الذين يحبون أوطانهم، وحمدت الله كثيرا على نعمة الحياة في وطن يتمتع بالاستقرار والأمان، ويعيش أهله مطمئنين على أنهم لن يغادروه إلا ليعودوا إليه أكثر حبا له، مهما رأوا من طبيعة خلابة أو طقس حسن، لأن حب الوطن لا علاقة له بطبيعة الأرض وحالة الطقس، ولا يقاس بجمالهما وقسوتهما، وإنما له مقاييس لا يعرفها إلا المحبون لأوطانهم، المتعلقون بها، العاشقون لكل حبة رمل فيها، خلال فصول العام الأربعة.

    كانت الإمبراطورية الروسية التي خلَفت روسيا القيصرية، وحكمت خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دولة عظيمة، بل إنها تُعدّ ثاني أكبر إمبراطورية متجاورة في العالم على الإطلاق بعد إمبراطورية المغول، وكانت «داغستان» بلدا صغيرا تبلغ مساحته 50 ألف كيلومتر مربع تقريبا، ذات أرض جبلية، حتى أن كلمة «داغستان» تعني «بلد الجبال» باللغة التركية.

    هذا البلد الجبلي الصغير خاض حروبا طويلة ضد ممالك كبيرة ذات أراض شاسعة ممتدة، مثل الفرس والروم والهنود والخزر والمغول، وكانت آخر معاركه ضد الإمبراطورية الروسية. وقد قاد هذه المعارك محاربون ورجال أشداء، كان آخرهم الإمام شامل، المُلَقّب بأسد القفقاس وصقر الجبال، وكان استسلامه بعد أن تخطى الستين من عمره على يد الجنرال الروسي الشاب إيفانوفيتش بارياتنسكي، الذي أوكلت إليه الإمبراطورية الروسية مهمة قيادة الحرب على الجبهة القوقازية، بعد انتهاء حربها مع العثمانيين الأتراك.

    في ملحمته الوطنية رائعة «داغستان بلدي»، يصف الشاعر الداغستاني الكبير «رسول حمزاتوف» لحظة استسلام الإمام شامل، والحوار الذي دار بينه وبين الجنرال بارياتنسكي، ثم الإمبراطور الروسي بعد ذلك، فيقول:

    «في شهر أغسطس من عام 1859 وفي جبل جونيت، ترجل الإمام شامل وقد قدّم رجله اليسرى قليلاً ووضعها على الحجر، بينما وضع يده اليمنى على مقبض سيفه، وألقى نظرة غائمة على الجبال المجاورة.

    • أيها السردار، لقد حاربت خمسا وعشرين سنة أدافع عن شرف هذه الجبال وهؤلاء الجبليين. جروحي التسعة عشر تؤلمني ولن تلتئم أبدا. إني أستسلم الآن وأضع أرضي بين يديك.

    - يكفيك حزنا وإشفاقا! ما أطيب أرضك، ليس فيها إلا الصخور والحجارة!

    • قل لي أيها السردار، من كان على حق أكثر في هذه الحرب: نحن الذين كنا نموت في سبيل الأرض ونعتبرها رائعة، أم أنتم الذين كنتم تموتون أيضا في سبيلها وتعتبرونها سيئة؟

    بقي شامل الأسير شهرا كاملا في الطريق إلى بطرسبرغ، وفي بطرسبرغ سأله الإمبراطور قائلا:

    - كيف بدت لك الطريق؟

    • بلاد واسعة. بلاد واسعة جدا.

    - قل لي أيها الإمام، لو كنت تعرف أن دولتي على هذا القدر من العظمة والجبروت، هل كنت تناصبها العداء طوال هذا الوقت، أم كنت ألقيت السلاح تعقُّلا، وفي الوقت المناسب؟

    • لقد حاربتمونا كل هذا الوقت الطويل وأنتم تعرفون أننا بلد صغير وضعيف!».

    بهذه الكلمات أسكت الإمام شامل أعداءه، فوحده الوطن قادر على إنطاقنا في أشد المواقف صعوبة، وهو الذي يجعلنا نعود أكثر حبا له، مهما رأينا من بقاع الدنيا.

    طباعة Email