00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الخوف من التغيير بعد الانقلاب التركي

ت + ت - الحجم الطبيعي

عندما اكتظت شوارع القاهرة في يوليو من عام 2013، بحشود ضخمة خرجت تحتج على الأوضاع الخدمية والأمنية السيئة بعد مرور عام واحد على تولي محمد مرسي الرئاسة، كان هناك خوف فاق المرة الأولى عندما خرجت الناس إلى ميدان التحرير قبلها بعامين. فارق كبير بين التجربتين في نفس العاصمة.

وزاد الخوف ما شهدته الأيام التالية من اشتباكات في مناطق الاعتصام وخارجها، حتى لاح في الأفق، لأول مرة، أن ثورة يناير المصرية يمكن ان تسير في نفس المنحدر الذي رأيناه في ليبيا وسوريا، ولاحقا اليمن.

ولم تكن الأشهر التالية على إقصاء مرسي من الحكم سهلة، بما حفلت به من اشتباكات وتهديدات لاستقرار البلاد.

ومهما اختلف الكثيرون على توصيف الحالة المصرية بين قائل إن شرعية مرسي جاءت بثورة الشارع وسقطت بشرعية الشارع الغاضب عليه، وبين من يعتبرها شرعية مستمرة مستمدة من أصوات الشعب، فان استقرار مصر وعدم وقوعها في مواجهات وأزمات أمنية تقسم البلاد يعتبر مبررا مقبولا للوضع التالي، وان بقاء مرسي مع الفوضى ليس خيارا مقبولاً لبلد كبير كمصر.

في تركيا الوضع مختلف، حيث إن تركيا دولة مستقرة، نظامها تطور ديمقراطيا خلال ثلاثة عقود، والحكومة الحالية منتخبة بأغلبية كبيرة، ولا توجد في البلاد تيارات شعبية ضخمة معادية تطالب بتغيير النظام، بل مستعدة للانتخابات التالية.

في هذا الوضع المستقر سياسيا فجأة وقعت محاولة الانقلاب، قبل أسبوع مضى، تهدف إلى تعطيل النظام المدني والاستيلاء على الحكم. شعرنا بأن العالم كأنه توقف فجأة في تلك الثلاث ساعات الخطيرة.

وليس معقولاً، أو منطقيا، ما طرحه البعض من تحليلات عن تصفية الحسابات الإقليمية من خلال تأييد الانقلاب، او الترحيب به.

وأنا لا أنفي أن هناك من هو غاضب من حكومة الطيب رجب اردوغان وعلى خلاف معها، فهذه جزء من واقع المنطقة المليئة بالخلافات والتحالفات.

إنما، تقريبا كل الحكومات الإقليمية، والمشتغلين في العمل السياسي، لابد أنهم كانوا قلقين في تلك الليلة الحمراء الخطيرة، يحبسون أنفاسهم. يعرفون أن الانقلاب ستصاحبه انشقاقات، ومواجهات، وفوضى محتملة.

فهل منطقة الشرق الأوسط قادرة على أن تحتمل أن تضرب الفوضى دولة خامسة؟ الحروب المستمرة في ليبيا، واليمن، والعراق، وسوريا أكبر من قدرة أي قوة في العالم على السيطرة عليها، أو محاصرتها، حتى لا تخرج وتؤثر على محيط المنطقة.

لم يعد ينشغل العالم بالمأساة السورية المستمرة يوميا، لأنه اعتاد على كوارثها حتى مل مشاهدتها كل ليلة. لكن الوضع في سوريا يدمي القلب، وكان آخرها قبل يومين عندما قصف النظام أربع مَستشفيات ومركز للتبرع بالدم في حلب. لم نعرف عدد الضحايا، والقليل من التفاصيل وجدت مكانا على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد. كان العالم منشغلاً بجريمة ألماني من أصل إيراني فتح النار على المدنيين في مركز للتسوق في ميونيخ، ثم بعد أقل من يومين وقعت حادثة حيث قتل مهاجر سوري امرأة بسكين كبيرة.

من يتخيل كيف سيكون عليه حال المنطقة لو أصيبت دولة أخرى كبيرة مثل تركيا بنفس الحالة، ودبت فيها الفوضى والاشتباكات بسبب الانقلاب؟ إنه أمر مفزع للغاية للعالم وليس للأتراك والمنطقة فقط. حتى لو نجح الانقلاب فإن تركيا محكوم عليها حينها بالقلاقل نتيجة التغيير وانشقاق مجتمعها.

لا أحد في هذه المنطقة يريد أن يرى تركيا، او غيرها، تنضم إلى مجموعة الدول المنكوبة. ولا أحد في القارة الأوروبية يريد لتركيا أن تصبح بوابة للإرهابيين والمزيد من ملايين المهاجرين والفوضى التي تهدد منطقتهم.

ومهما كانت الخلافات بين الدول فإن السياسيين يدركون العواقب من المغامرات غير المحسوبة، ويعرفون جيدا أن محاولة تغيير أي وضع في المنطقة، سيصيب الجميع بشظاياها، ويهددهم جميعا.

وهذا ينطبق على الجميع، وأتصور انه حتى ايران وهي الدولة التي تشعل المنطقة بالحرائق، تخاف من تبعات التغيير في تركيا، وكذلك روسيا. وكما أظهرت التحقيقات الأولية، وكما شاهدنا في الصور من تلك الليلة، فان الانقلابيين فصيل صغير من الجيش مرتبط بجماعة دينية، ولو نجح فمن المؤكد أن تليه انشقاقات داخل المؤسسة العسكرية، وربما مواجهات خطيرة.

كل الاحتمالات التي يمكن للسياسيين أن يتوقعوها من التغيير في تركيا تؤكد أنه مغامرة لا أحد يتمناها. والهدف الذي يعمل عليه بعض الفاعلين في حكومات المنطقة اليوم هو العكس، أي تقديم تنازلات كبيرة من اجل إطفاء الحرائق المشتعلة في الجوار، في سوريا والعراق واليمن والى حد ما في ليبيا. والله وحده يعلم كيف كانت تركيا ستكون عليه لو وقع الانقلاب وانقسمت البلاد، شيء خارج التصور تماما.

طباعة Email