صفقات التجارة الحرة

كل من بيرني ساندرز ودونالد ترامب يلقيان باللوم على صفقات التجارة الحرة في تراجع عدد الوظائف والدخول الخاصة بالطبقة العاملة الأميركية. هل هما على حق؟

من الواضح أن أميركا خسرت عدداً يعتد به من وظائف المصانع خلال العقود الثلاثة الماضية. وفي عام 1980 كان واحد من كل خمسة أميركيين يعمل في التصنيع. والآن يصل العدد إلى 1 من كل 12.

اليوم، تضم أوهايو وظائف أقل بنسبة الثلث في قطاع التصنيع مقارنة بما كان لديها عام 2000. وميتشيغان أقل بنحو 32 في المئة.

التجارة ليست المتهم الوحيد بالجريمة فالتغير التقني لعب دوراً أيضاً. عندما أزور أحد المصانع المتبقية في أميركا بالكاد أرى عمالًا في خط التجميع. ولا أرى الكثير من العمال على الإطلاق. وعوضاً عن ذلك، أجد مجموعة من التقنيين يجلسون خلف شاشات أجهزة الحاسوب. وهم متصلون بأساطيل من الروبوتات والأدوات الحاسوبية التي تنجز العمل الفني.

هناك نقاش حيوي بين الباحثين بشأن ما إذا كانت التجارة أو التقنية مسؤولة أكثر عن الانخفاض في وظائف المصنع. وفي الحقيقة، لا يمكن فصل الأمرين. ووجد الباحثون أن أكبر الخسائر في التصنيع الأميركي بدأت عام 2001، عندما انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية، طالبة من الولايات المتحدة تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع الصينية.

الاقتصادي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ديفيد أوتور واثنان من الكتاب المشاركين يقدرون أنه بين عامي 2000 و2007 خسرت الولايات المتحدة قرابة مليون وظيفة تصنيع لحساب الصين، أي نحو ربع كامل الانخفاض خلال تلك السنوات. روبرت سكوت من مؤسسة السياسة الاقتصادية قدر الخسارة منذ عام 2001 بنحو ثلاثة ملايين.

وهذا لا يعني أن التجارة الحرة كانت سيئة تماماً بالنسبة إلى كل الأميركيين. فهي قد منحتنا الوصول إلى البضائع الأرخص، ووفرت للأميركي العادي ألوف الدولارات في العام الواحد. وأظهرت دراسة حديثة خاصة بالاقتصاديين في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس وجامعة كولومبيا أن التجارة الحرة رفعت الدخول الحقيقية للطبقة الوسطى في الولايات المتحدة بنحو 29% وأكثر من ذلك بالنسبة للذين لديهم دخول أقل.

إلا أن التجارة اتسعت بشكل غير متساو، وفرضت عبئاً خاصاً على العمال الأميركيين ذوي الياقات الزرقاء.

إذا كنت متعلماً بشكل جيد، فإن التجارة الحرة أعطتك فرصاً أفضل للوصول إلى أسواق العالم من أجل مهاراتك ورؤياك، وهو ما تمخض بشكل مباشر أو غير مباشر عن رواتب أعلى.

وعلى الجانب الآخر، إذا لم تكن متعلماً بشكل جيد فإن صفقات التجارة في ربع القرن الأخير أبعدت وظيفة المصنع التي (أنت أو آباؤك أو أجدادك) استندتم عليها في يوم من الأيام من أجل العمل الثابت والراتب الجيد والفوائد الكثيرة.

وشكلت هذه الوظائف العمود الفقري للطبقة الوسطى في أميركا. والآن ذهبت جميعها تقريباً. وحلت محلها وظائف خدمية بأجور منخفضة في مجالات مثل محال التجزئة والمطاعم والفنادق والمستشفيات.

التغير كان دراماتيكياً، فقبل نصف قرت مضى كانت شركة «جنرال موتورز» أكبر مشغل في القطاع الخاص الأميركي، حيث تقاضى العمال الذين يعملون دواماً كاملاً راتباً لقاء الساعة، بما في ذلك فوائد الصحة والمعاش يبلغ نحو 50 دولاراً بقيمة الدولار اليوم.

المشكلة الجوهرية لا تتعلق بالتجارة الحرة أو بخسارة وظائف المصانع في حد ذاتها. الأمر يتعلق بزوال النظام الاقتصادي بأسره، الذي يمكن للأشخاص من ذوي الشهادات العليا أو الأقل منها فحسب الاعتماد على الوظائف الجيدة والآمنة.

ذلك النظام القديم شمل نقابات قوية، ومسؤولين تنفيذيين بمسؤوليات أمام موظفيهم ومجتمعاتهم وليس أمام حملة الأسهم فقط، وقطاع مالي لم يطالب بأعلى الفوائد الممكنة كل ربع عام.

التجارة ساهمت في خسارة هذا النظام القديم، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن علينا أن نيأس من التجارة الحرة. يجب علينا إنشاء نظام جديد يمكن للقسم الأكبر من الأميركيين أن يكونوا فائزين فيه.

لكن هل سنفعل ذلك؟ السؤال السياسي الكامن هنا هو ما إذا كان الفائزون من نظام الاقتصادي الأميركي الحالي، والناس من ذوي المؤهلات الجامعية والعلاقات الصحيحة والوظائف الجيدة التي تضعهم على الجانب الفائز من الانقسام، سيدعمون قواعد جديدة توسع من دائرة الانتعاش لتشمل هؤلاء الذين كانوا على الجانب الخاسر.

وفي حال رفض الفائزون التزحزح، يمكن لأميركا أن تدير ظهرها إلى التجارة الحرة وغيرها الكثير. وبالتأكيد ليس هناك ما يمكن تخمينه بشأن الغضب الذي رأيناه في موسم الانتخابات التمهيدية وإلى أين يمكن أن يقود.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات