ترامب يقتفي أثر الفاشية

وصل المرشح الجمهوري المحتمل دونالد ترامب، أخيراً، إلى الحد الذي أصبح فيه التغاضي عن التشابه بين حملته الانتخابية وفاشيي النصف الأول من القرن العشرين من أمثال بينيتو موسوليني وستالين وهتلر وأوزوالد موسلي وفرانشيسكو فرانكو غير ممكن.

الأمر لم يقتصر فقط على أن ترامب اقتبس، أخيراً، من موسوليني (وهو يقول الآن أن كلامه ذاك غير متعمد) أو أنه بدأ بدعوة أتباعه في تجمعاته لرفع أيديهم اليمنى بطريقة مشابهة تماماً للترحيب النازي بكلمة «يحيا»، وهو ينحي مثل هذه المقارنة جانباً باعتبارها سخيفة، ويمكن لأوجه التشابه أن تمضي بشكل أعمق.

وعلى غرار ما حصل من قبل فاشيي القرن العشرين فإن ترامب يركز حملته على غضب القوة العاملة البيضاء التي خسرت قاعدتها الاقتصادية لسنوات كثيرة، والتي تعتبر فريسة سهلة للديماغوغيين الساعين إلى بناء سلطتهم بأنفسهم على حساب الآخرين.

مكاسب ترامب الانتخابية كانت الأكبر في المقاطعات التي بات الدخول فيها أقل من المتوسط وهؤلاء الذين ساءت أحوالهم المالية الشخصية، وبحسب ما أشار إليه بوست جيف غو في الـ«واشنطن بوست»، فإن ترامب يقدم أفضل أداء في الأماكن التي يتوفى فيها البيض في متوسط العمر بشكل أسرع.

ويشدد الاقتصاديون على أنه قبل قرن من الزمن تقريباً، عندما بلغ الكساد الكبير ذروته، كان ذلك أسوأ مما اختبره معظم أتباع ترامب، إلا أنهم عانوا من شيء يعتبر بشكل من الأشكال أكثر إيلاماً وهو التوقعات الفاشلة.

ونشأ كثيرون خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين عقب الازدهار الذي لحق الحرب العالمية الثانية والذي رفع مستوى الجميع، ومنح الازدهار آباءهم حياة أفضل، وبطبيعة الحال توقع مؤيدو ترامب أنهم هم وأطفالهم قد يحصلون مكاسب اقتصادية، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك.

وبالإضافة إلى ذلك تأتي المخاوف والشكوك بشأن الإرهابيين الذين قد ربما يعيشون وسطنا، أو الذين يريدون أن يهربوا عبر حدودنا، وتتعاظم هذه المأساة والشعور بالعجز.

هجمات ترامب اللفظية على المهاجرين المكسيكيين والمسلمين، فضلاً عن تردده في إبعاد نفسه عن ديفيد ديوك وكو كلوكس كلان تتبع السيناريو الفاشي القديم.

ذلك الجيل الأقدم من الفاشيين لم يكلف نفسه تكبد عناء الوصفات السياسية أو الجدل المنطقي أيضاً. وإنما قدموا أنفسهم باعتبارهم الرجال الأقوياء الذين تعالج سلطتهم الشخصية كل العلل والأمراض.

ولقد أوجدوا حول أنفسهم عبادة الشخصية التي استقطبوا فيها كل سمات القوة، والثقة والحصانة، وجميعاً خدمت كبدائل للجدل والتفكير المنطقي.

تدور حملة ترامب بأكملها بشكل مماثل حول قوته وثقته المزعومتين، ويقول ترامب لمؤيديه أن ليس عليهم أن يقلقوا فهو سيعتني بهم. وقال للعاملين في ميشيغان، أخيراً: «إذا فصلتم من أعمالكم فسأظل بحاجة إلى أصواتكم»، «سأمنحكم عملاً جديداً، لا تقلقوا بشأن ذلك».

وهدد الفاشيون القدماء المعارضين وأخافوهم. ترامب ليس فوق استراتيجية مماثلة. ومن أحد الأمثلة في هذا الصدد أنه كتب، أخيراً، على حسابه في «تويتر» بأن عائلة ريكيتس في شيكاغو تنفق المال الآن لهزيمته، وأضاف: «من الخير لكم أن تلزموا الحذر فلديهم الكثير مما يخفوه».

وحرض الفاشيون القدماء على العنف. ترامب لم يفعل ذلك بصراحة ولكن مؤيدوه هاجموا المسلمين والأميركيين الأفارقة المشردين، وفعل ترامب كل شيء ولكنه برر سلوكهم.

وعقب مرور أسابيع على بدء ترامب لحملته ادعى زوراً أن المهاجرين المكسيكيين «يجلبون الجرائم. إنهم مغتصبون»، فقد ضرب أخوان من بوسطن بالحديد مشرداً مكسيكياً يبلغ من العمر 58 عاماً وتبولا عليه. وقالا لرجال الشرطة في وقت لاحق «دونالد ترامب كان على حق، كل هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين يجب أن يرحلوا».

وبدلاً من إدانة تلك الوحشية قدم ترامب عذراً قائلاً: «الناس الذين يؤيدونني عاطفيون جداً. يحبون هذه البلاد ويريدونها أن تكون عظيمة مجدداً».

وعقب أن لكمت مجموعة من مؤيديه البيض أحد متظاهري حركة «الحياة السوداء مهمة» وحاولوا خنقه في إحدى مسيرات حملتهم قال ترامب: «ربما تعاملوا معه بخشونة».

لقد أوجد الفاشيون أتباعهم مباشرة، من دون الأحزاب السياسية أو غيرهم من الوسطاء الذين يقفون بينهم وبين جحافل المؤيدين. تغريدات ترامب وتجمعاته تلتف بالمثل حول كل محاولات ترشيحها. الحزب الجمهوري ليس على صلة بحملته، ويعتبر الإعلام عدواً له. (المراسلون يغطون كل تجمعاته ويتحصنون وراء جدار فولاذي).

النظر إلى دونالد ترامب على ضوء فاشيي النصف الأول من القرن العشرين الذين استخدموا الضغوط الاقتصادية للتضحية بالآخرين، وأوجد عبادة الشخصية وأرهبوا خصومهم وحرضوا على العنف ومجدوا دولهم وحطوا من القانون الدولي وظلوا على علاقة مباشرة مع المجموعات، يوضح ماذا يفعله ترامب وكيف يحقق النجاح، ويشير كذلك إلى السبب في أن دونالد ترامب يشكل خطراً داهماً على مستقبل أميركا والعالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات