00
إكسبو 2020 دبي اليوم

تغيير الحدود لن يتوقف عند حدود

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ وقت طويل والموضوع المفضل عند العديد من المثقفين العرب هو التنبؤ بمؤامرات رسم حدود، وتغيير أنظمة منطقة الشرق الأوسط، وقد فتحت مجلة «الفيصل» حواراً حول هذا الموضوع الجدلي، قدمت فيه قراءة موسعة، اختزلها هنا في «البيان» أيضاً.

والذي غذى المخاوف أكثر مما سبق هو تغير الأحلاف الدولية، بسقوط الاتحاد السوفييتي وتوحد أوروبا، وظهور مفهوم الامبراطورية عند منظري اليمين المتطرف الأميركي.

والمفاجأة أن الوحيد الذي أعلن عن برنامج تغيير خريطة المنطقة، وبدأ تطبيقه على الأرض، هو تنظيم داعش، ففي التاسع من أبريل عام 2013 أعلن أبوبكر البغدادي عن توسيع مساحة تنظيمه الصغيرة التي كانت محصورة في غرب العراق، فضم إليها سوريا، ونصب نفسه خليفة عليها، وأعلن عن قيام دولة خلافة عالمية لا حدود لها. على أية حال، «داعش» حركة تدمير لا بناء، ولن تستطيع تغيير منطقتها، دعوا عنكم قدرتها على تغيير العالم.

ومع أني أنبذ المدرسة التي تفسر الأحداث وفق نظرية المؤامرة، أدرك أن جوهر الصراع في الشرق الأوسط هو الرغبة في التغيير، بالتوسع والهيمنة، وقد ارتفعت درجة الإيمان بأن هناك مؤامرة دولية ما تحاك لإعادة تقسيم المنطقة، بسبب حروب العراق وسوريا واليمن وليبيا، لكن تفكيك هذه الدول المضطربة لا يحتاج إلى مؤامرة، لأنها شبه منهارة ومفككة.

جغرافياً، تتجاوز نظرية تغيير الحدود إلى ما وراء حزام دول الثورات، إلى بعض الدول المستقرة، وهذه الطروحات التي شاعت كثيراً، أخيراً، في رأيي، قد تكون مجرد مخاوف بواعثها الفوضى المنتشرة، وتزايد التدخلات، والحقيقة، الحروب، غالباً، ليست نتاج مؤامرات بل بسبب سوء إدارة الأنظمة للأزمات، كما حدث في سوريا، عندما لجأ النظام إلى سياسة القسوة المفرطة، ولا ننسى أن غزو صدام حسين للكويت كان سبباً جوهرياً في سقوط نظامه وغزو العراق لاحقاً.

لسنوات، حرصتُ على متابعة الدراسات الجادة في قراءة التحولات الإقليمية، والعديد منها تنبأ بأن المنطقة لن تبقى بحدودها اليوم.

عن إعادة رسم الحدود يتمحور الحديث اليوم حول بلدين، العراق وسوريا، حيث بات الكثيرون مقتنعين بأن الجرة قد كسرت، وفتح موضوع تبدل الحدود والخرائط، مراسل «نيويورك تايمز» حينها روبرت وورث، في تقرير نشر في 26 يونيو 2014، وقد أثارت الخريطة التي رافقت تقريره انتباهاً كبيراً في منطقتنا، مع أنه ينقل شيئاً رسمياً، سوى أن هناك قناعة بأن الانفصال حاصل كأمر واقع، تحديداً إقليم كردستان العراق.

وقد اتصلت بوورث قبل أن أكتب هذا المقال واستطلعت منه رأيه. قال إنه لا يزال يرى أن الإقليم الكردي في العراق أكثر حظاً في الانفصال، لكن تفكيك الدولة السورية أمر صعب ومعقد جداً، والخيارات البديلة فيدرالية، بمنح الأقاليم المزيد من الاستقلالية على حساب المركز.

أيضاً، سبق لمجلة «أتلانتيك» الأميركية أن اختارت غلافها عن تغيير خرائط معظم منطقة الشرق الأوسط في عام 2006 تحت عنوان براق، «بعد العراق: كيف سيبدو الشرق الأوسط؟»، لكنها لم تكن أكثر من مجرد اجتهاد شخصي من الكاتب جيفري غولدبيرغ الذي عاد وكرر الحديث قبل عام ونصف العام، عن أن الخريطة التي رسمت بعد الحرب العالمية الأولى لن تبقى.

وقد كتب الكثير عن العراق تحديداً، بإعادة رسم خريطته وتفكيكه، وهذه لم تكن نظرية مؤامرة، بل طرحا علنيا، سبق وأن قدمه كمشروع جو بايدن، نائب الرئيس الحالي، عندما كان سيناتوراً في مجلس الشيوخ عام 2006. بايدن دعا إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول، كردية وسنية وشيعية، مثل يوغسلافيا التي تم تفكيكها لوقف الحروب بين إثنياتها في اتفاق دايتون.

إنما الإدارات الأميركية السابقة، كلينتون وبوش، والحالية أوباما، التزمت بعراق موحد، والسبب الأول يعود لصعوبة بناء مثل هذه الدول، والثاني الخوف من فكرة تغيير الخرائط وعواقبها على المنطقة. الحديث هنا أوجزته لضيق المساحة، وعبرت عنه بشكل أكثر تفصيلاً في «الفيصل».

طباعة Email