أميركا والخروج من الدائرة الجهنمية

ما الذي نواجهه في عام الانتخابات هذا. دعني أطرح الموضوع بشكل مباشر بقدر ما أستطيع، أميركا خضعت لدائرة جهنمية، تترجم فيها الثروة الطائلة إلى سلطة سياسية، وهو ما يولد ثروة أكبر وسلطة أكبر.

وتبدو هذه الدوامة أكثر ما تكون وضوحاً في تراجع معدلات الضرائب المفروضة على الشركات وعلى أعلى المداخيل الفردية (التي غالباً ما تكون في شكل ثغرات ضريبية أوسع)، مع كثرة عمليات الإنقاذ الحكومية والإعانات (الخاصة بوول ستريت والمصرفيين العاملين فيه، وشركاء صناديق التحوط، وشركات النفط، وأباطرة أندية القمار، وأصحاب أنشطة الأعمال الزراعية العملاقة، وغيرهم).

دائرة الثروة والسلطة المفرغة أقل وضوحاً، ولكنها أكثر أهمية، في القواعد الاقتصادية المواتية للأثرياء، وأصحاب المليارات، مثل دونالد ترامب، يمكنهم التذرع بالإفلاس للتهرب من الديون، إلا أن أواسط الناس لا يمكنهم الحصول على إعفاء من الرهن العقاري المرهق أو مدفوعات الديون الطلابية.

الشركات العملاقة يمكنها حشد القوة السوقية من دون أن تضطر إلى مواجهة دعاوى مكافحة الاحتكار (كشركات كوابل الإنترنت مثل مونسانتو وبيغ فارما، وتعزيز شركات التأمين الصحي وشركات الرعاية الصحية، دو أند دوبونت، والهيمنة المتزايدة لأمازون، وأبل وغوغل وغيرها من الشركات)، إلا أن العمال المتوسطين فقدوا سلطة السوق، التي تأتي من التجمع في النقابات.

الأمر الآن أسهل بالنسبة إلى المطلعين على أسرار «وول ستريت» لتحقيق أرباح من البيانات الموثوقة غير المتوفرة لصغار المستثمرين، ومن الأسهل بالنسبة إلى الشركات العملاقة تمديد فترة براءات الاختراع وحقوق التأليف والنشر، لذلك من الضروري رفع أسعار كل شيء، بدءاً من المستحضرات الصيدلانية، وصولاً إلى بضائع والت ديزني، ومن الأسهل على الشركات الكبيرة انتزاع المعاهدات التجارية، التي تحمي أصولها الأجنبية، ولكن ليس وظائف أو مداخيل العمال الأميركيين.

من الأسهل بالنسبة إلى عمالقة المقاولين العسكريين تأمين مخصصات طائلة للأسلحة غير الضرورية، والإبقاء على آلة الحرب متواصلة، نتيجة الدائرة الجهنمية هي حرمان غالبية الأميركيين والتوزيع التصاعدي للدخل من الطبقة الفقيرة والمتوسطة الدخل، وصولاً إلى الطبقة الغنية والقوية.

النتيجة الأخرى هي الغضب المتزايد والإحباط الذي يشعر به الناس، الذين يعملون بشكل أكبر من ذي قبل، ولكن لا يصلون إلى مبتغاهم، الذين يشعرون بسخرية كبيرة من الديمقراطية.

الطريق نحو إنهاء هذه الدائرة المفرغة هو تقليل التراكمات الكبيرة للثروة، التي تمثل الوقود لها وإخراج الأموال من الحياة السياسية، إلا أن هذه مثل مشكلة الدجاجة والبيضة، كيف يمكن حل هذا الأمر عندما تجتمع الثروة والسلطة؟ فقط من خلال تيار سياسي مثل ذلك الذي ساد في أميركا قبل قرن مضى، عندما استعاد التقدميون الاقتصاد والديمقراطية من البارونات (النهابين المنتمين) للعصر الذهبي الأول.

وذلك عندما وضع الأميركي من وسكنسن روبرت «فايتنغ بوب» لا فوليه، أول قانون للحد الأدنى للأجور، وعندما هاجم المرشح الرئاسي وليام جينينغز براين السكك الحديدية الكبيرة، والبنوك العملاقة وشركات التأمين، وعندما قضى الرئيس تيدي روزفلت على الصناديق العملاقة. وعندما أمن المطالبون بحق الاقتراع للمرأة مثل سوزان بي أنتوني حقها في التصويت، وعندما قدم مصلحون مثل جين آدمز مجموعة من القوانين لحماية الأطفال والصحة العامة، وتصدى منظمون مثل ماري هارس أو الأم جونز لقيادة النقابات العمالية.

طبقت أميركا ضريبة دخل تصاعدية، وقيدت مساهمات الشركات في الحياة السياسية، وضمنت نقاء الطعام والدواء وابتكرت المدارس الثانوية الحكومية، وازدهر العصر التقدمي في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، لأن ملايين الأميركيين رأوا أن الثروة والسلطة عند القمة كانتا تقوضان ديمقراطية أميركا، وتجاوز ملايين الأميركيين تهكمهم، وبدأوا في التعبئة، وربما نكون قد وصلنا إلى نقطة التحول هذه مجدداً.

فكل من حركة الاحتلال وحزب الشاي نشأتا بسبب الاستياء من إنقاذ «وول ستيريت»، وضع في الاعتبار النزاع الأخير من أجل حد أدنى أعلى للأجور متمثلاً في 15 دولاراً، والحملة الرئاسية الخاصة ببيرني ساندرز هي جزء من هذه التعبئة.

بالتأكيد فإن عام 2016 يعد عاماً حاسماً، ولكن كما فهم المصلحون من العصر التقدمي، الذي مضى عليه أكثر من قرن من الزمن، فلا يمكن لرئيس بمفرده أو أي سياسي إنجاز المطلوب، لأن النظام الواقع في دوامة الثروة والسلطة لا يمكن إصلاحه من الداخل، ويمكن تغييره فقط عندما تدفع حركة كبيرة من المواطنين بالإصلاح من الخارج.

بغض النظر عن من يفوز بالرئاسة في نوفمبر المقبل، وأي حزب سوف يسيطر على الكونغرس المقبل، فالأمر مرده إلينا جميعاً، من أجل مواصلة التنظيم والتعبئة.

الإصلاحات الحقيقية ستتطلب سنوات عديدة من العمل الشاق من الملايين، وكما تعلمنا خلال فترة الإصلاحات الاجتماعية، فإن هذه هي الطريقة الوحيدة، التي يمكن بها عكس الدائرة المفرغة من الثروة والسلطة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات