00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الأوروبيون ومواجهة أحلام المهاجرين

ت + ت - الحجم الطبيعي

في بعض دول الجنوب، تحالفت الحروب متعددة العناوين والدوافع مع مربع الفقر وانعدام الأمن والبطالة والاستبداد السياسي، بما أدى لتغيير صورة المهاجر إلى الشمال.

لقد غابت الصورة التي أبدعها الروائي الطيب صالح، للمهاجر الجنوبي المأخوذ بسحر أوروبا وجاذبيتها؛ الراغب في غزوها بفحولته. كذلك تلاشت الى حد بعيد آلية استقطاب المجتمعات الأوروبية لبعض الألمعيين الشرقيين والجنوبيين؛ الذين يذهبون الى أوروبا طلبا لنقل علومها وتقدمها الى بلادهم، وينتهي حالهم الى اتخاذها دار قرار ومقام لهم بلا رجعة..

المشهد اليوم مختلف.. فالمتطلعون الى الحلم الأوروبي باتوا يعدون بالملايين. وقد ضاق هذا الحلم الى مجرد البحث عن الملاذ الآمن واشباع الحد الأدنى من الحاجات الانسانية الأولية.

المشهد اليوم، أن المهاجر يتخذ قراره وهو يراوح بين أمل النجاة من حياة البؤس وبين الخوف من الموت في غياهب البحر. وفي السياق، لنا أن نلاحظ كيف أن الأوروبيين بدورهم يعانون من حالة ارتباك وحيرة في مواجهة آمال المهاجرين ومخاوفهم.

وقد تجلت هذه الحالة وألحت مؤخرا بلا مواربة، حتى انها أجبرتهم على عقد قمة خاصة بقضية الهجرة في العشرين من أبريل الجاري. وجاء هذا الاجتماع الاستثنائي تحت ضغط كارثة غرق نحو 800 مهاجر قبل ثلاثة أيام من التئامه.

ترى هل كان لابد من حادثة مروعة بهذا الحجم حتى يقتنع قادة الاتحاد الأوروبي، بأن شركاءهم الايطاليين محقون في شكواهم من ضغط هذه القضية (الأزمة) عليهم؟..

ندفع بهذا الاستفهام وفي الخاطر أن روما كانت قد لفتت النظر قبل بضعة أشهر، الى انها ما عادت قادرة وحدها على التصدى لتدفق المهاجرين عبر شواطئها الى الرحاب الأوروبية.. وأنه يتعين على بقية الشركاء الارتقاء بمساهماتهم في تحمل تبعات هذه الظاهرة.

لا ريب في ان القمة الأوروبية لمدارسة كابوس الهجرة، تعبر عن أخذ النداء الايطالي على محمل الجد. وقد تداول الزعماء الأوروبيون حول الكثير من أبعاد القضية، مثل سبل الانقاذ البحري والضرب على أيدي المهربين وتجار زوارق الموت، ومساعدة الدول الأكثر استقبالا للمهاجرين وتعزيز التعاون مع الدول الأفريقية التي تنطلق منها قواربهم المنكودة، والنظر في توزيع عبء المهاجرين على أعضاء الاتحاد..

غير ان التوافق على هذه العموميات، لا ينفي وجود خلافات حول بعض التفصيلات التي عادة ما تكمن فيها الشياطين.

ومن ذلك، أن نصف أعضاء الاتحاد مازالوا يرفضون فتح أبوابهم لاستقبال أي مهاجر من خارج القارة العجوز.. وأنه في حين ترى بعض العواصم، كباريس، ضرورة تدمير قوارب التهريب أو مصادرتها، حتى وإن كانت ترسو على الشواطئ الجنوبية للمتوسط، تعتقد عواصم أخرى أن المسألة ليست بهذه البساطة، اذ يستوجب الأمر التنسيق مع دول الجنوب والأمم المتحدة، كى لا تتم معالجة المشكلة بإثارة مشكلات.

وبينما يتناظر أصحاب هذه الرؤى والحلول السياسية والأمنية البحتة، لا تكف منظمات حقوقية ومدنية أوروبية مسموعة الصوت، عن المطالبة بإيجاد حلول تغلب الجوانب الإنسانية والإغاثية.. من الواضح أن أوروبا تشهد موسما ساخنا من الجدل المحموم حول حال قضية هجرة الجنوبيين ومآلها. وسوف يشتد هذا الجدل ويزداد سخونة وإلحاحا، بالتوازي والتزامن مع ارتفاع حرارة الطقس في أجواء الربيع والصيف؛ التي عادة ما تكون مناسبة لتوافد قوارب المهاجرين الى شطآن القارة.

والاحتمال الأكثر واقعية في تقديرنا هو نجاح المبادرات الأوروبية،على المستويين الوطني والاتحادي، في الحد من الظاهرة ومعالجتها جزئيا في المدى القريب والمنظور. أما استئصالها كليا، فسوف يبقى مرهونا بتوسيع دائرة الرؤية: جغرافيا، عبر مراقبة محطات التجمع والابحار على الشواطئ الجنوبية والشمالية.

وأمنيا، بملاحقة مجرمي التهريب وأصحاب القوارب المتهالكة الملعونة. واقتصاديا، بتعزيز المدد التنموي الاستثماري الموجه الى دول المنبع ورفع الحماية عن الفساد والمفسدين فيها. وسياسيا، بتقوية فرص المشاركة السياسية والاستقرار الأمني وتشجيع عمليات التحول الديمقراطي في هذه الدول.. هذا كله ومثله غيض من فيض لما هو مطلوب في الأجل الطويل.

 

طباعة Email