بين اليأس والأمل

ت + ت - الحجم الطبيعي

تفرض رحلة الأمل على الإنسان صراعا أبدياً، مع نفسه ومع الآخرين، ينطلق من دوافع ثلاثة أساسية:

أولها أن قدرته على تحقيق آماله ليست كاملة أو مطلقة بل محدودة ونسبية، فمع نجاح البعض في تحقيق ذواتهم، يفشل كثيرون في تحقيق الهدف نفسه، بل ان هؤلاء الناجحين اليوم قد يفشلون غدا، أو ربما عانوا الفشل بالأمس.

وثانيها، ولعلها المشكلة الأكبر، أن الإنسان الذي ينجح في تحقيق آماله سرعان ما يتضاءل شعوره بالرضى الناجم عن تحقيقها، بفعل تولد أخرى يسعى إليها، وذلك في صيرورة دائمة لا تتوقف طالما كان الإنسان موجودا، لم يهزمه اليأس أو يقهره العدم.

وثالثها أن تحقيق البعض لآماله ينال أحيانا من قدرة الآخرين على تحقيق آمالهم، وهو أمر يرجع إلى الطابع الجدلي للوجود الإنساني، الذي يقوم على الاحتكاك والصراع. فحين أحاول التحرّر من تأثير الآخر عليّ، يحاول هذا الآخر أن يتحرّر من تأثيري عليه، وحين أحاول السيطرة عليه يحاول هو أن يسيطر علي.

ليس المقصود بالسيطرة هنا علاقات صراع بمعنى المكاتفة المباشرة وكأننا في حلبة مصارعة، بل علاقات الجدل والتشابك الحياتي المعقدة في كل المجالات والاتجاهات والمساحات التي يرغب شخص ما في التمدد داخلها، كما يريد غيره أن يتمدد، فإما أن يحقق هذا الشخص ذاته، فيما ينسحب الآخر إلى موقع الهامش، وإما أن ينجح الآخر في تحقيق ذاته بالقدر الذي يدفع الأول إلى موقع الهامش.

وهكذا دواليك، حيث يحسم نتيجة هذا التنافس، ليس فقط الإمكانات التي يحوزها هذا الطرف أو ذاك، ولكن أيضا درجة التصميم التي يتمتع بها كلاهما، ما يجعل طريق الآمال البعيدة هو نفسه طريق الآلام العميقة.

يفسر هذا الأمر مشاعر الارتياح التي تنتاب المرء في لحظة يأسه من تحقيق هدف صارع طويلا للفوز به، قبل أن يصل إلى تلك اللحظة التي يقرر فيها أن مسعاه هذا لم يعد مجديا، وبات عليه أن يتوقف.

تنبع تلك المشاعر الإيجابية لا من الفشل في ذاته، ولكن من توقف الصراع الداخلي، وما يصاحبه من توتر نفسي ينجم عن مراوحة النفس بين النجاح والإخفاق، بين الأمل واليأس، ففي تلك الرحلة الممتدة بين وجهي الحياة نكون أمام صراع دائم وتوق أبدي، يشغل الذهن، ويستنزف الجهد، وصولا إلى أحد حدين متناقضين:

الأول منهما يتحقق عنده الهدف المرجو (أولا)، على نحو يشعر معه الإنسان بتحقيق نوع من الرضى عن الذات.

ولكنه ذلك الرضى المؤقت الذي سرعان ما تتململ منه الذات، وتسعى إلى تجاوزه من خلال مسعى جديد نحو هدف مرجو (ثانيا)، ربما كان أصعب من الأول، ما يؤدي إلى استمرار الإنسان في السعى، واستغراق إرادته في الصراع من أجل تحقيق أهداف متصاعدة الأهمية والصعوبة على مدار العمر.

أما الثاني فيتبدى عنده صعوبة تحقيق الهدف المرجو أولا، ما يدفع بالإنسان إلى استرخاء مؤقت، وعندها يتوقف الصراع الحاد الذي يستغرقه ضد العوامل المعوقة، وما يصاحب ذلك من تراجع في مستويات التوتر النفسي، وهو ما يسمى بـ(راحة اليأس).

غير أنها راحة قصيرة، أقرب إلى هدنة، سرعان ما يقطع سكونها تحولان متناقضان في الاتجاه: أولهما يعكس توترا إيجابيا، ينبع من انبعاث الإرادة الإنسانية من جديد، في سعى متجدد إلى تحقيق هدف مغاير للهدف المُحبط، قد يكون موازيا له في مستوى طموحه، أو أقل قليلا بفعل خبرة الفشل الأولى وما تثيره من شكوك حيال العلاقة بين ممكنات الإنسان، وتحديات العالم المحيط.

إنها عودة جديدة إلى توتر الإرادة بهدف الفعل، ما يكشف عن ذات إنسانية أصلب، أقدر على بلورة أهدافها بشفافية لا محدودة، والاندفاع إلى تحقيقها بإصرار لانهائي.

أما ثانيهما فيعكس حالة توتر سلبي، تدفع إلى تعميم الشعور بعدم الرضى الجزئي عن الذات، والناجم عن الفشل في تحقيق الهدف المباشر، إلى شعور باليأس الشامل، ينبع من عجز الذات عن تحقيق نفسها كلية، ومن ثم زيادة انطوائها على نفسها، بدافع إحساسها العميق بعدم تقدير الآخرين لها، أو الشعور القاتل بتحيز العالم كله ضدها، وهكذا تدخل في مرحلة جديدة من التوتر ليس فقط النفسي ولكن أيضا العقلي، على نحو يمكن وصفه بـ(المزمن)، الذي يتسم بعدم الحدة، ولكن أيضا بالاستمرارية.

وهنا نصبح أمام تطور من نوع مفارق، باتجاه إنسان ليس فقط غير قادر على الفعل كما كان الأمر عندما واجه خبرة الفشل مرة أو مرات سابقة، ولكنه أيضا أصبح غير راغب في الفعل، فهو إنسان تمت هزيمته وإزاحته من موقع الموجود الفاعل، إلى موقع المفعول به، ما يدفعه إلى الاندراج في سياق تلك الظواهر الهامشية التي تعكس اغترابا عن حركة التاريخ بهذا القدر أو ذاك.

ومن ناحية أخرى جماعات المهمشين، الذين غالبا ما يخلطون هامشيتهم بنزعة تمرد تحاول إسباغ معنى إيجابي على اغترابهم السلبي، كالهيبيز والفوضويين ومن يشبههم. فلدى هؤلاء جميعا تتوقف الذات الإنسانية عن المطالبة بالاندراج في متن التاريخ، باعتباره مكانا للتدافع، ومجالا لتبادل التأثير، وإعمال الإرادة.

طباعة Email