آلام البشر

ت + ت - الحجم الطبيعي

تنبع آلام الإنسان ومعاناته من تلك الفجوة الدائمة بين ما يملكه فعلاً وما يريده أملاً، بين ما يكونه واقعاً وما يحلم به متخيلاً.

ولأن ما يريده ينمو دائماً، وجهده محدود بطبيعته، يصبح الألم طابعاً أصيلاً لوجود الإنسان، لا سبيل إلي القضاء عليه نهائياً، وإن أمكن التخفيف منه أحياناً، بدعم من الأديان، سواء السماوية أو الوضعية، وكذا الفلسفات، سواء المثالية أو المادية، حيث راوحت جميعها فى تعاطيها مع تلك الفجوة بين طريقين أساسيين:

الطريق الأول يتمثل في تحدي تلك الفجوة بين الممكن والمأمول، من خلال تحريض الإنسان على زيادة طاقاته، وتنمية قدراته وبذلها جميعاً في سبيل تعظيم ممكناته حتى تقارب رغباته أو تتساوى معها.

هذا الطريق هو ما شقته فلسفات الحداثة، خصوصاً المادية منها، وجميعها تحيل العلاقة بين الإنسان والعالم، إلى علاقة صراعية يسعى الإنسان من خلالها إلى إنفاذ إرادته في عالمه، فيما العالم يتحدى إرادة الإنسان، وينثر الصعوبات على طريقه.

وهكذا تستعر المباراة التاريخية بين الطرفين: فالإنسان غالباً ما ينجح في تحقيق ذاته، وهو ما يفسر ذلك التقدم المطرد في مسيرة التاريخ، فلولا دأب إنسان الأمس في تجاوز ممكناته، لما كان لدى إنسان اليوم جلّ ما يملكه.

ولكن العالم غالباً ما ينجح في حرمان الإنسان من سعادته الشاملة، إذ يفرض عليه تحديات متجددة، تثير لديه توترات عميقة، تحرمه من راحته، وتطالبه بالنهوض لمواصلة جهاده الأبدي في مصارعة الآخرين من حوله.

في سياق هذا الجهاد يواجه الإنسان أنواعاً عديدة من الألم، ينبع بعضها من أسباب واقعية ملموسة، يزول الألم بزوالها من قبيل الحزن إزاء فقد الأقرباء والأصدقاء، أو الإحباط الناجم عن الإخفاق في تحقيق الأهداف.

وبعضها من مصدر اجتماعي، عندما يفشل الإنسان في تحقيق التفاهم مع المحيطين به، وهو أمر يزداد في مراحل الانتقال التاريخي، حيث التغيير السريع، والتبدل الشديد في المفاهيم والقيم، وما يثيره ذلك من اضطراب نفسي وذهني

وبعضها من مصادر سياسية أو هموم وطنية، خصوصاً لدى البشر من أصحاب العقول الكبيرة والمبادئ الرفيعة، القادرين على تجاوز حاجاتهم المباشرة واليومية، سمواً إلى فضاءات أعلى، حيث الحلم بوطن أفضل وعالم أرحب، يصير أمراً يهجس به الضمير وتنشغل به الروح.

أما المصدر الأصعب للألم فهو غير المرئي، وغير المحسوس، العصي على الفهم والتحديد، النابع من العقل والخيال والروح معاً.. إنه الألم الوجودي الذي يعتصر الإنسان إلى درجة يفقد معها الإحساس بمغزى حضوره، وينتابه شك عميق في جدوى استمراره داخل هذا العالم، في ظل تلك الآلام والمعاناة التي يواجهها فيه، والتي تنبع غالبا من شعور عميق لدى الذات الإنسانية بأن شيئاً ما يحُّدها في وجودها الظاهر، يضغط عليها بقسوة ويمنعها من تحقيق إمكانياتها في الواقع المحيط بها.

ولأن الغاية الأساسية للذات الإنسانية تتمثل في تحقيق إمكانياتها الكاملة، وطبع أثرها في عالمها، فإن فشلها في ذلك يدفع بها إلى طريق الآلام المعبد بمشاعر الحزن والفقد والمعاناة.

وربما كان الإنسان الإيجابي قادراً على التعاطي مع جل مصادر الألم، وعلى التعايش معها رغم وطأتها، بل والإبداع في ظلها، وأحيانا بفضلها، طالما استمر مدركاً لمعضلات الوجود الأساسية، تلك التي تستفز إرادته لمواجهتها، فيصير أصلب عوداً، وأعمق كبرياء، وأقدر على المقاومة.

ولكنه، في المقابل، يصير حائراً وتائهاً أمام المصدر الوجودي للألم، ذلك المصدر الشامل والخفي، الذي يستحيل عائقا دون ازدهار شخصيته، مثيرا للشعور بالخواء الروحي، ولضعف القدرة على تحمل أعباء الحياة، ومواجهة تحدياتها، خصوصا إذا ما تحول الشعور بالخواء إلى شعور بالعبث يفقد معه الإنسان كل معنى للحياة، وكل غاية للسعي في مناكبها.

وأما الطريق الثاني فترتسم عليه معالم التكيف مع تلك الفجوة بديلاً عن تحديها، فيسعى الإنسان إلى تقليص رغباته إلى الحد الذي يملكه بالفعل.. إنها أخلاق الزهد المسيحي، والتصوف الإسلامي، ومبدأ (اللاتعلق) في أنظمة التفكير الديني لدى الشرق الأقصى الآسيوي، حيث تسود المعتقدات الهندوسية والبوذية في الهند، والفلسفات الأخلاقية، خصوصاً التاوية، في الصين.

لدى أنظمة التفكير هذه، فإن المعاناة لا تنشأ فقط من تعلق المرء بما لا يملك، بل وأحيانا بما لا يمكنه أن يملك، فتصبح الأشياء التي يتعلق بها سبباً للمعاناة إذا لم يحصل عليها أصلاً أو إذا فقدت منه بعد كسبها. فإذا أمكن غرس روح (اللاتعلق) بالأشياء، أمكن القضاء على المعاناة وعلى الشر الناجم عنها، وفتح الباب أمام الحياة الخيِّرة.

ومن هنا صارت الفلسفة الهندية الجوهرية، هي فن العيش في إطار السيطرة الكاملة على الذات، وصارت الممارسة العملية لهذه الفلسفة، تتمثل بأنماط شتى من التدريبات، وأشكال عديدة من الطقوس، تؤدي في العموم إلى استنارة الروح، وتألق الوجدان، على نحو يضمن تعالي الإنسان على شهواته، حينما تنبثق له رغبات أسمى، تتمثل في الاندماج مع سر الكون، وأصل الوجود، الذي هو البراهمن في الهندوسية، والتاو في التاوية، والجين في الكونفوشية.

 

طباعة Email