أوهام «ما بعد العروبة»!

ت + ت - الحجم الطبيعي

كنت واحداً من بين مثقفين مصريين وعرب، وقعوا بقناعة كاملة على بيان بعنوان «لا للمكارثية الثقافية العربية»، صدر في الثامن عشر من فبراير الماضي ممهوراً بتوقيع مئتين منهم، ولكنهم أخذوا في التزايد، بمجرد نشره على موقع «ثقافة عربية حرة» حتى فاقوا أربعمئة اسم، لكل منهم قيمته الأكاديمية أو الثقافية، التي لا يمكن المغامرة بها لدوافع شخصية أو لأجل قضية باطلة.

أدان البيان بشدة ممارسات المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ضد الدكتورة نيفين مسعد، مدير معهد البحوث والدراسات العربية التابع للمنظمة، بعد أن قام الرجل بعزلها عن وظيفتها وتخفيض درجتها الوظيفية في سابقة غير معهودة في تاريخ المعهد والمنظمة وربما الجامعة العربية، على نحو يشي بدوافع شخصية تتعلق برفضه المبدئي لوجــــودها في هذا المقعد.

وبما أن هذا قد تم فعلاً، يصير الحـــل هو الإساءة إليها بتهم صغيرة ومختلقة، لا تخص إدارتها للمعهد، ولا تمس ذمتها المالية، بل تتعلق برؤاها الفكرية، ونشاطاتها الأكاديمية، التي يعود أغلبها إلى عدة سنوات قبل توليها مسؤولية المعهد، وكأنها مجرد موظف إداري يفترض فيه التزام السمع والطاعة، ولم تكن أستاذة مرموقة للعلوم السياسية بكلية الاقتصاد في جامعة القاهرة، تعلمت شخـــصياً الكثير على يديها، ما يجعل من الأمر كله نوعاً من المكارثية الثقافية، أجاد البيان وصفها، وإدانتها.

ربما كان الخبر الجيد يتمثل في ذلك القرار الذي اتخذه المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية، في اجتماعه الأخير (15 ـ 19 فبراير)، بموافقة تسع عشرة دولة، بإلزام مدير المنظمة بوقف إجراءات تعيين مدير جديد للمعهد حتى تفصل المحكمة الإدارية للجامعة في الخصومة القضائية بين الطرفين، الأمر الذي عطل مؤقتاً مسار تصاعد الأزمة وتعقدها.

غير أن الموقف برمته يبدو لي أكبر من الجانب القانوني فيه، إذ يعبر عن مزاج ثقافي، يتسم بالسلبية والريبة تجاه المعهد وما يرمز إليه، أي فكرة العروبة نفسها، تلك التي شيدت تاريخاً مجيداً، وصاغت أمة كبيرة تقبع بين المحيط والخليج، ولكن كثيراً من أبنائها أخذوا يتنكرون لها، ويتصرفون، من دون إعلان رسمي، بمنطق «ما بعد العروبة»، تساوقاً مع موجة طاغية من إعلان الـ «نهايات».

وتدشين «الما بعديات»، سادت في العقود الأخيرة، على أصعدة كثيرة كالفلسفة والتاريخ والدين والحداثة؛ خضوعاً إما لما يبدو أنه موضة ثقافية، أو لضغوط النظام العالمي من الخارج، أو لإغواء نزعات التفتيت الطائفي والعرقي من الدخل، حيث تصاعدت نغمة يائسة راحت تشكك في مفهوم القومية نفسه، بذريعة أنه لم يعد هناك وقت أو ضرورة للحديث عن أمة، كأوطان، اللحاق بالعصر.

وهنا أخذ المتفلتون من العروبة، دولاً وجماعات وطوائف وأقلاماً، يبحثون عن مظلات خارجية يستقوون بها على شركاء الوطن، وعن حلفاء إقليميين يكسرون من خلالهم محرمات الأمة، ويدوسون مقدساتها، حتى بدت القوى الإقليمية المجاورة لنا، وكأنها قوى عظمى، تطحن عظامنا وتفترس لحمنا، تحدد لنا خرائط صراعاتنا، وقائمة أولوياتنا.

يتجاهل هؤلاء حقيقة أن الانتماء القومي قدر تاريخي لن يغيره حتى الإعلان الرسمي مدفوع الثمن أنهم لم يعودوا عرباً. قد يجد هؤلاء تشجيعاً لسلوكهم «الانفلاتي» من خصوم الأمة، ولكن ذلك لا يعني تحالفاً صادقاً معهم، بل استدراجاً خبيثاً، وتوظيفاً نفعياً لهم ضد الحس الاستراتيجي للإقليم بمزايا مؤقتة سوف يفقدونها عندما تنتهى أدوارهم، وينزل الستار على مسرح محطم قوامه أوطان الأمة المخربة.

 فالمتقاعسون اليوم عن نصرة الشقيق، والمهرولون إلى أحضان الخصوم، لن يُنظر إليهم باعتبارهم غير عرب بل كعرب محبطين، يدفعهم الإحباط إلى الاستقالة من التاريخ، وعندها يتم تخفيض شروط التعامل معهم إلى درجة الإرغام، وهكذا تبدو الحقيقة القومية بمثابة «الحق والواجب» معاً، نجني ثمرتها حيناً، ونتحمل أثقالها حينا آخر.

والمشكلة الكبرى هنا أن يتحول ما بدأ كموضة ثقافية، أو وجهة نظر شخصية، أو لحظة ضعف سياسية لدى جماعات وطوائف انقلابية، إلى منهج عمل يخترق منابر العمل العربي نفسه، فيصبح القائمون عليه غير مؤمنين بجدواه، ولا متحمسين إلى تطويره، فهنا تكون بداية النهاية، وأخشى أن يكون مدير عام المنظمة ممن ينتمون إلى ذلك المنهج.

نرجو من الدولة العزيزة التي ينتمي إليها المدير، أن تكبح جماح المسؤول الذي تغلبت دوافعه الإنسانية، ونزوعاته الشخصية على مصالح الأمة العمومية، فلم يتفهم طبيعة اللحظة، ولا مقتضياتها، وهو خطأ لا يتحمل البلد الشقيق المسؤولية عن وقوعه، وإن دعوناه، ثقة به، إلى تحمل المسؤولية عن إصلاحه، فلسنا أكثر منه، ولا هــو أقل منا، حرصاً على رعاية العقل الجمعي لهذه الأمة.

 

طباعة Email