الدور الأزهري في مشروع التنوير المصري

ت + ت - الحجم الطبيعي

الأزهر هو قلعة الاعتدال السني.. حقيقة تاريخية، ولكنها مركبة وإشكالية.

ففي مواجهة عالم حديث، تتعدد فيه مصادر التربية والتثقيف، بدا الأزهر تدريجياً عاجزاً عن مواجهة الخطابات المتشددة، بل إن التشدد تمكن من اختراقه عبر العقود الماضية، فالعديد من المنتمين إلى الجماعات الدينية تخرجوا في كلياته، شرعية وعلمية، والمفارقة أن ذوي التخصصات العلمية هم الأكثر تطرفاً، لأنهم يتلقون معرفة دينية مبتورة، ومعرفة علمية تلقينية، والنتيجة المتوقعة: عقلاً مشبعاً بخليط من دوجمائية، ورقائق علمية، وتلك هي بالضبط مواصفات القنبلة البدائية.

كما أن كثيرين من أعضاء هيئات التدريس في الكليات الإقليمية يعتنقون فكراً متشدداً يختلف كثيراً عن وسطية الأزهر، التي يجسدها خير تجسيد شيخه الجليل، وجبهة علمائه المستنيرين الذين تعلم بعضهم في جامعات غربية كبرى كالسوربون، وامتلكوا عقلاً متفتحاً، لا نظنه متوافراً لقاعدة الدارسين في الأزهر الآن.

لنتفق أولاً على مقدمة أساسية وهي أن العلم الحقيقي هو منهج الدرس، وليس محتويات العلوم التي تُدرس، والفيزياء منهج لفهم الطبيعة، عبر قواعد تجريبية ومعادلات رياضية، وليست نظرية الجاذبية لدى نيوتن، أو النسبية لدى أينشتين.. إلخ. ولنقس على ذلك باقي المعارف والعلوم.

نظامنا التعليمي لم يقارب العلم جوهرياً، فما يسود من طرائق التدريس واختبار الطلاب وتقييمهم، لا يمت للمنهج العلمي بصلة، إذ ينهض فقط على تدوين وحفظ ظواهر العلوم، هو نمط تعليمي سيئ لعله أخطر كثيراً من الأمية، لأنه يفسد الفطرة الإنسانية، بدفعها إلى مغادرة بساطتها ونقائها إلى حيث غرورها وتسلطها.

إذ بينما يمنح التعليم (المنهجي) صاحبه شعوراً باكتساب صورة عن الحقيقة، فإن التعليم (التلقيني) يمنح صاحبه اعتقاداً بامتلاك الحقيقة ذاتها، ومن ثم تتحول معرفته إلى إيمان، ولا يصبح لمفهوم الحقيقة أي قيمة.

إذا كانت تلك النتيجة واضحة في عموم نظامنا التعليمي، فإنها أكثر وضوحاً في التعليم الأزهري الذي صار واجباً تأسيسه على منهج تفكيكي، وطابع جدلي، يفترض تغيراً جذرياً في مفهوم (الحقيقة) نفسه من فهم إطلاقي يفضي دوجماطيقياً إلى فهم نسبي موضوعي، حيث الحقيقة متعددة ومتشابكة، والمتاح منها ليس إلا تصورات عنها، تصيب أقداراً مختلفة منها، هو فهم يتدعم بالتحولات الكبرى التي طرأت على المعرفة العلمية نفسها، في أكثر مجالاتها منهجية ودقة كالفيزياء، خصوصاً بعد تراجع مقولة الحتمية وتواري الطموح إلى اليقين.

وفي المقابل، نمو منظور لاحتمي، تولد خصوصاً عن نظرية الكم التي كشفت عن الطبيعة النسبية للضوء، والعلاقة المخاتلة بين المادة والطاقة، وكذلك (مبدأ اللاتحدد) لدى هايزنبرج الذي وشي بصعوبة القياس الصارم لسرعة ومكان الإلكترون في الوقت نفسه، مؤكداً نسبية العلاقة بين المكان والزمان، وبالتالي نسبية المعرفة، وما تتسم به من مراوحة واحتمالية.

في موازاة ذلك التحول في قلب الحقيقة من الحتمية إلى اللاحتمية، صار ممكناً للطابع النسبي أن يسود بقية جوانبها، خصوصاً على صعد السياسية والمجتمع. وهنا فقط يمكن أن ينتهى التطرف وتتوقف دائرة العنف.

فبدلاً من حقيقة مطلقة لا تتعدد، إن امتلكها شخص واحد لا يمكن لشخص آخر أن يمتلكها، حيث الجميع، عدا هذا الشخص، من أنصار الباطل أياً كان شكله: ففي الدين هو الكفر، وفي العلم هو الخطأ، وفي القيم هو الكذب، وفي السياسة هو الانحراف عبر العمالة أو الخيانة.. الخ، نصبح إزاء تجليات لتلك الحقيقة، أي صور مختلفة لها، متعددة ونسبية، يمكن للجميع امتلاكها من دون تنازع كبير بينهم.

يتطلب ذلك التحول المنهجي تخلي الأزهر مبدئياً عن المكون المدني في نظامه التعليمي، مع توظيف البنية التحتية التي كان يشغلها طلابه في ترقية التعليم الديني، بتوفير ساحات أرحب للحوار، وقاعات أرحب للدرس، وزيادة المقررات الدراسية الخاصة بالمذاهب والأديان الأخرى، بحيث ينتج الأزهر وعاظاً وفقهاء أكثر انفتاحاً على العصر.

وأعمق دراية بتاريخ الدين كظاهرة إنسانية كبرى، سواء تمثلت في أديان الوحي (اليهودية والمسيحية) أو حتى في الاتجاهات الطبيعة التي لا تزال قائمة في العالم الآسيوي حتى الآن (كالهندوسية والبوذية والكنفوشية والتاوية)، فمن دون وعي الدارس الأزهري بتاريخ الدين وفلسفته لن يكون ممكناً تقدير قيمة الإسلام الحقيقية.

ناهيك بالطبع عن تقدير قيمة الأديان السابقة عليه، والتي قدم بعضها تصورات عن الحقيقة الإلهية أسهمت في تهيئة الوعي الإنساني لقبول التوحيد الإسلامي المطلق. كما صاغت جميعها رؤى خلقية حول كيفية السمو بالروح والسيطرة على الغرائز، أسهمت في التأسيس لأخلاق كونية عامة.

 أما الجهل بتلك الأديان، فيعوق دارس الأزهر عن التسامح العميق مع معتنقيها، أي عن تفهم إيمانهم وتقدير رؤيتهم لطرق الخلاص المختلفة التي ترسمها لهم معتقداتهم، وسيبقى لدينا، في هذه الحال، أولئك الوعاظ الذين يختتمون خطبهم بالدعاء على اليهود والنصارى، ولا يرون في اللاهوت الهندوسي، المتجذر في كتب الفيدا الخمس، سوى عبادة البقرة، وعندها يبقى العالم منقسماً إلى فسطاطين أحدهما للإيمان، والآخر للكفر، وهو التقسيم الذي يستعيره الجهاديون.

 

طباعة Email