من الأخلاق التقليدية إلى الثقافة المدنية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعني الأخلاق، جوهرياً، أن نحب الفضيلة، ونكره الرذيلة.. أن نرفض الشر ونسعى إلى قهره، وأن نطلب الخير بديلاً عنه. أن نتعرف على مصادر الظلم، لنقاومه دون هوادة، ولو فقدنا حياتنا في تلك المغامرة الفاضلة. أ

ن نحب الحقيقة ونسعى في طلبها، وأن نعترف دوماً بالعجز عن بلوغها، فلو لم نشتق إليها لفقدنا جوهرنا الإنساني، ولو ادعينا امتلاكها لقطعنا الطريق على كفاحنا الإنساني، وحرمنا أنفسنا من حكمة الطريق وأشواق الوصول.

وحسب هذا الفهم يتبدى لنا أمران أساسيان: أولهما: إن القيم الدينية الأساسية تبقى ملهمة للثقافة المدنية الحديثة، بقدر ما أن الأخيرة مكملة للأولى. فلو كانت الأخلاق الدينية بمثابة القانون المجمل، فإن الأخلاق المدنية هي اللوائح المفصلة.

يبدو هذا جلياً حتى في أكثر الثقافات حداثة، فالفكر القضائي المسيحي تأثر بالشريعة الموسوية، خصوصاً الوصايا العشر للنبي موسى، والتي كانت ملهمة للتعديلات التي أدخلها قسطنطين وخلفاؤه المسيحيون في الإمبراطورية، على قانون روما الجنائي، على حد ما ذهب المؤرخ الكبير جيبون في كتابه (انهيار الإمبراطورية الرومانية).

وثانيهما: إن مجتمعاتنا العربية تبدو فقيرة أخلاقياً، رغم استنادها إلى دينين عظيمين كالإسلام والمسيحية، يشكلان قاعدة الاعتقاد لدى أغلبية مواطنيها؛ كونها أهدرت مثالها الأخلاقي الديني الموروث، تحت ضغوط الهزيمة الحضارية.

وفي المقابل، عجزت عن صنع مثال حديث قادر على الحلول محله. بل إنها كثيراً ما أنفقت جهدها في هجاء البديل الحديث الذي صاغته الثقافة الغربية، باعتباره قريناً شيطانياً للعلمانية، والنزعة المادية.

هنا تتبدى لنا مفارقة كبرى تتمثل في عجزنا عن مناصرة المظلومين منا، وضعف حس العدالة بيننا قياساً إلى غربيين يجاهرون بمعارضة بلدانهم، والدفاع عن حقوق مستضعفين بلداناً أخرى لدرجة تكلفهم حياتهم أحياناً، رغم أن بعضهم قد يكون ملحداً.

تفسير ذلك أن المثال الأخلاقي العلماني يستميت في نصرة المظلوم أملاً في رؤية مشهد انتصاره داخل هذا العالم، ولذا يدافع عنه بإلهام من فكر منطقي/ عقلاني، فيكون دفاعه منظماً وفعّالاً.

أما المثال الديني، بتأثير التدين الشكلي والاغتراب التاريخي، فيُقصر جهده على تمني الانتصار للمظلوم، مكتفياً بالدعاء على الظالم، تواكلاً على القضاء، وعجزاً عن تفعيل إرادة الانتصار للعدل على الأرض. يحفزنا إلى مواجهة الظلم في المثال الديني مفهوم عميق هو (الضمير)، مركز الأخلاقية الدينية بامتياز، دافع الإنسان الجوهري إلى مقاومة الشر داخل نفسه، وفى العالم من حوله. أ

ما الحافز إلى مواجهة الظلم في المثال العلماني فهو مفهوم (الواجب) البسيط، الذي يدعونا إلى التصرف إزاء الآخرين بالطريقة نفسها التي نتمنى من الآخرين أن يتصرفوا بها نحونا، فإذا سلك الجميع على هذا المنوال الرائق والبسيط، صار العالم أجمل وأبدع.. أكثر عدلاً وتحرراً وأقل ظلماً وقهراً.

ورغم أن ذلك المسلك البسيط مسلك إسلامي، شق الطريق إليه حديث شريف يقول (حب لأخيك ما تحب لنفسك)، ورغم أن الحديث طالما تكرر نصاً بينناً، فإنه لم يتجسد عملياً فيناً، منذ غابت الروحانية الحق، وغاب معها الضمير الحي، فيما وجد مفهوم الواجب بنية سياسية (علمانية) تسنده وإطار قانوني (مدني) يكرسه. ولهذا أنتج مفهوم الواجب من أبطال الإنسانية في الثقافة الغربية أضعاف ما أنتجه مفهوم الضمير في الثقافة العربية الإسلامية.

 فحيث يسيطر المثال الأخلاقي العلماني، يزدهر مفهوم البطولة، حيث البطل الإنساني شخص إيجابي لا يذوب، كالعوام، في وقائع حياته اليومية، محكوماً بالغرائز الأنانية، ولا ينتظر كصوفي أو متدين تقليدي، ذلك العالم الآخر، حيث الزمن السرمدي الذي تتلاقى فيه المثل مع الوقائع، بل يجتهد في تحقيق مثله العليا داخل التاريخ البشري، مدونة الروح الإنساني، حيث الرغبة في الخلود هي الدافع الأعظم لأكثر الأفعال الإنسانية نبلاً وقيمة.

 

طباعة Email