العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    إنهم يذبحون التماثيل أيضاً!

    يصحو العالم على صراخ تماثيل تُذبح. دم حضارة يسيل، والإنسانية المثقلة بالحروب والجروح تقف صماء، عاجزة عن أن تمد يد النجاة، فالكل غارق في الدم. ثمة من يقيدها ويقودها إلى الغابة. وحوش بشرية تزأر، أرض تئن وأطفال يُقدمون قرابين.

    في متحف الموصل وقعت المذبحة. المتحف الثاني من حيث الأهمية بعد المتحف العراقي في بغداد، تأسس في عام 1952 وجدد في عام 1972 ويضم 4 قاعات؛ إحداها للآثار القديمة، وهي الحضارات التي سبقت عام 1813 ق.م، وأخرى للآثار الآشورية، وهي الحقبة التي تبدأ منذ 1813 - 100 ق.م، وثالثة للآثار الحضرية من 100 ق.م حتى منتصف القرن الثالث الميلادي، والأخيرة للآثار الإسلامية.

    في الشريط الذي نشره تنظيم داعش، تبدو المعركة على أشدها بين بشر كالحجر وبين حجارة جسدت البشر في أرقى إبداعاتهم. ساحة قتال بين الشر حاملاً معول هدم والخير الذي تراكم على مدى آلاف السنين فكراً وثقافة ونوراً أضاء للإنسان طريق الخروج من الغابة إلى العلم الذي أوصله إلى القمر والتكنولوجيا التي قربت الإنسان من الإنسان وجعلت العالم قرية صغيرة.

    إن ما تقوم به داعش تحريف للدين واجتزاء لأئمة الإسلام وهم الذين يتغطى ببعضهم التنظيم في جرائمه بحق الإسلام والحضارة والإنسانية.

    وقد أكدت دار الإفتاء المصرية في بيان أن الآراء الشاذة التي اعتمدت عليها «داعش» في هدم الآثار واهية ومضللة، ولا تستند إلى أسانيد شرعية، خاصة أن هذه الآثار في جميع البلدان التي فتحها المسلمون كانت موجودة ولم يأمر الصحابة الكرام بهدمها أو حتى سمحوا بالاقتراب منها.

    وهم كانوا أقرب عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان منهم صحابة جاؤوا إلى مصر إبان الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص، ووجدوا الأهرامات وأبو الهول وغيرها، ولم يصدروا فتوى أو رأياً شرعياً يمس هذه الآثار التي تعد قيمة تاريخية عظيمة.

    لقد بتنا نسمع عن فتاوى لشيوخ متصهينين من أتباع داعش بهدم كل الآثار في الدول العربية، بما فيها الأهرامات وأبو الهول في مصر. إن الدين براء من هكذا اجتهادات، فحكم التماثيل ليس كحكم الأصنام.

    ويوضح الشيخ أسامة القوصي، الباحث والداعية الإسلامي، أنه يجب التعامل مع كلام الشيخ مرجان (الذي أفتى بجواز هدم الأهرامات وأبو الهول) من منطلق كونه يحتاج إلى دراسة وتدقيق وفهم كلي لنعرف مدى صحة الكلام من بطلانه وعدم منفعته.

    وقال إذا تعاملنا مع التمثال مثل أبوالهول والأهرامات على أنها أصنام أو تماثيل فتلك مصيبة، لأنها ليست كذلك، فهي علم وتراث وصور تاريخية يجب أن نتعامل معها على أنها حضارة كاملة ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، حيث إن النبي (صلى الله عليه وسلم) بدأ علمه بكلمة «اقرأ»، وهي معناها الحث على الفهم والإدراك. ولم يتوقف الأمر عند الأهرامات فقد تعداه إلى الكعبة المشرفة.

    فقد هدد «جهاديون» كما يسمون أنفسهم، ينتمون إلى تنظيم داعش بهدم الكعبة، وذلك بحجة أنها باتت تعبد من دون الله، مشيرين أن قرار الهدم جاء من أمير التنظيم، أبوبكر البغدادي، ما يعنى نية التنظيم فعل ذلك وجاء ذلك عبر تغريدات على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» من خلال حساب منسوب لأبو تراب المقدسي، حيث قال: «يذهب الناس لمكة من أجل التمسح بالأحجار وليس من أجل الله..

    والله إن فتحناها سنهدم الكعبة التي تعبد»!

    إنه الخراب العام، ورائحة الموت والدم، يحيطان بنا من كل حدب وصوب. نستيقظ على مجزرة لننام على أخرى. فيلم رعب نعيش فصوله ومشاهده، يبدو أنه بلا نهاية مرئية.. المؤسف في حالة الانهيار والسقوط التي نعيشها، أنها بلا قعر مرئي، لنقول إننا سنصل إليه بعد يوم أو شهر أو سنة..

    فلا «قعر» ولا «قرار» لهذا الجرف الذي نهوي إليه.. ولا حدود تمنع تمدده وانتشاره إلى ساحات جديدة وميادين إضافية.. بدأت القصة في ليبيا، ثم انتقلت إلى سوريا، ومنها إلى العراق، وصولاً إلى مصر.. أما اليمن الذي كان سعيداً ذات يوم، فيبدو مرشحاً بقوة للانضمام إلى قائمة الموت الجماعي والخراب الشامل، ومأرب التي عرفت السدود قبل الإسلام، ومنها أصل القبائل العربية.

    لقد بدأت داعش المهمة الموكلة إليها من الموصل التي مازالت مسرحية سيطرتها عليها في الأذهان.

    فقد سلم نظام المالكي المدينة للدواعش وأمر الجيش العراقي بالانسحاب، ما حدا بمحافظها إلى البقاء بالمدينة حتى آخر لحظة حين سقطت بالكامل، وعقد في اليوم التالي مؤتمراً صحفياً في أربيل الواقعة تحت سيطرة الأكراد فضح فيه مهزلة تسليم المدينة لداعش وطالب بمحاكمة القيادات التي سلمتها.

    لكن لم تحدث محاكمات وأسدل الستار على «المؤامرة» ليُفتح على مؤامرة كبرى ضد الإسلام والوطن العربي، ماتزال فصولها الدموية تتوالى والمستفيد الوحيد منها إسرائيل والصهيونية العالمية.

    فما تقوم به داعش من أعمال وحشية ضد المسلمين والمسيحيين في سوريا والعراق، يقوم به متطرفون يهود في فلسطين، ولم تكن مصادفة أن يحرق هؤلاء مسجداً في بيت لحم وفي اليوم التالي كنيسة في القدس.

     

    طباعة Email