العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    داعش.. صناعة محلية أم أجنبية؟

    في قضية داعش: هل هي صناعة محلية أو أجنبية. طبعاً هناك دور للعوامل المحلية. الفقر الشديد في بلادنا، والجهل شائع، والغضب منتشر، وأسباب الغضب كثيرة ومتجددة، ومن لا يجد دافعاً كافياً للانضمام إلى حركة داعش فيما يعاني من فقر، ومن لا يدفعه الجهل للانضمام إليها، قد يؤدي به غضبه (ولو لسبب شخصي بحت، كرفض من يحبها أن تتزوج منه مثلاً)، إلى أن يلعن الدنيا كلها وينضم لحركة داعش. كل هذا ممكن أيضاً، ولكن هذا كله لا ينفي أن يكون للقوى الخارجية اليد العليا في نشأة حركة داعش أو تطورها أو إنشائها، على النحو الذي نراه، من بلد لآخر تختلف ظروفه المحلية اختلافاً شديداً.

    ناهيك عما تقترن به ظاهرة مثل داعش من تضليل متعمد، فإذا كانت حركة داعش مدفوعة في الأساس بأيدٍ أجنبية (وهو الاعتقاد الذي أميل أنا إليه وكثيرون غيري) فهل نتوقع أن تأتي إلينا داعش وقد كتب عليها (مصنوعة في الولايات المتحدة أو إسرائيل مثلاً؟) أو هل نتوقع أن يقف أحد زعماء حركة داعش (الذين لا أعنى حتى بتذكر أسمائهم ليقيني بعدم أهميتهم) ويقول إنه قبض مبلغ كذا من سفارة كذا، أو أنه قابل المبعوث الأميركي أو الإسرائيلي في بلدة كذا في يوم كذا، لمناقشة الخطوة المقبلة؟ لا بالطبع، بل الأرجح أن يبرر ما يقوم به من جرائم بأنه يستهدف إعادة مجد الإسلام، رغم تعارض ما يزعمه مع أبسط الحقائق، إذ أن هذا الادعاء الجنوني أهون عليه من الاعتراف بأنه مدفوع وممول من قوة خارجية.

    وإذا قام بعض أفراد داعش بقتل بعض الأقباط في ليبيا، فعل نتوقع منهم أن يذكروا لنا أن هذا القتل يحقق بعض المآرب الخارجية في إحداث قلاقل في مصر وغيرها. ولهذا فضلوا قتل عدد من الأقباط في عملية واحدة بدلاً من أن يختلط فيها الضحايا المسلمين والمسيحيين؟ أم أن الأرجح أن يقدموا لنا فيلماً سينمائياً يحتوي على كل عناصر أفلام الرعب الرديئة الإخراج، وإن كانوا يستخدمون فيه تقنية متقدمة جداً في التصوير، ويصرون على ارتداء الضحايا رداءً أحمر مما تستخدمه بعض الدول الكبرى، مع من تقتلهم من الإرهابيين المتحمسين أيضاً لإعادة مجد الإسلام؟

    وإذا كانت داعش صناعة محلية حقاً، فهل نتوقع ممن انضم إليها لأسباب شخصية بحتة، أو لعقدة نفسية قديمة أو حديثة، أن يعرف هو نفسه كيف أدت به هذه الظروف الشخصية المعقدة إلى الانضمام إلى حركة تمارس العنف باسم الدين، رغم انعدام العلاقة بين الدين أو العنف وبين مشكلته الشخصية؟

    لابد أن نقرّ ونعترف بأن أي محاولة من الخارج لإحداث تغيير سياسي أو اجتماعي في الداخل، أو تغيير كبير في خريطة منطقة من المناطق، لابد أن تستغل بعض الظروف الداخلية لابد أن نعترف بهذا لأن هناك دلائل قوية عليه منطقياً وتاريخياً. التدخل الخارجي لابد أن يجد تربة لكى يؤتي ثمرته، فإذا لم توجد التربة الخصبة من الأصل فلابد من إيجادها أولاً. (أي لابد من العمل مثلاً على استمرار الفقر والجهل والفساد).. ونحن نعرف أيضاً من تاريخ الاستعمار في بلادنا وغيرها أن المستعمرين لم ينجحوا في تحقيق أهدافهم إلا بمعونة بعض الخائنين أو المخدوعين في الداخل.

    ولكن لابد من ناحية أخرى أن نعترف بأن القوى الخارجية التي تسعى إلى إحداث تخريب من نوع أو آخر في بلادنا، أو إلى إعادة رسم الخرائط وتقسيم الدول، لم تعد تعتمد منذ فترة تزيد على نصف قرن على الاحتلال المباشر أو الحروب العالمية (كما حدث في تقسيم سايكس - بيكو مثلاً) بقدر ما تعتمد على وسائل مستجدة، من الرشوة والإفساد وشراء الرجال، إلى جمع مختلف أنواع المعلومات عن المجتمع الذى تريد تخريبه، وعن رؤسائه ووزرائه، مما يمكن استخدامه لتهديدهم وإذلالهم.

    بالإضافة إلى مختلف وسائل غسيل المخ والدعاية والتخويف، واختراع أعداء مرعبين من نوع أسامة بن لادن مثلاً أو منظمة داعش، وهى وسائل شهدت تقدماً كبيراً خلال نصف القرن الماضي. الأهداف الخارجية الخبيئة ما زالت موجودة، ولم تتغير كثيراً عما كانت في عهد الاستعمار القديم، بينما تطورت وسائل القهر والخداع بدرجة غير مسبوقة، فلماذا لا تكون الظاهرة التي تبدو محلية، ذات عناصر مهمة آتية من الخارج؟

    لابد أن نبحث بدلاً من ذلك عن أطراف لديها القدرة، فضلاً عن الفوائد الجمة التي يمكن أن تحققها من خلق ودعم حركة مثل داعش والترويج لها وإثارة الرعب منها. وأظن أن هذه العناصر كلها: المال والسلاح والقوة الدعائية والمنافع الجمة التي ينتظر تحقيقها، تتوفر في بعض القوى الخارجية أكثر مما تتوفر للأطراف المحلية.

     

    طباعة Email