العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    من حرق البشر إلى تدمير الأثر

    في خطوة لاتصدر إلا عن أصحاب الفكر الظلامي المتخلف، أقدم تنظيم «داعش» الأسبوع الماضي على تدمير مجموعة لا تقدر بثمن من التماثيل والمنحوتات الأثرية في العراق، فيما وصف بأنه ضرر لا يمكن حصره بجزء من التراث الإنساني. وأظهر شريط مصور نشره التنظيم يوم الخميس الماضي، مجموعة من عناصره تقوم بتحطيم تماثيل وآثار، يعود تاريخها إلى آلاف السنين، مستخدمين مطارق وآلات ثقب كهربائية، في متحف «الموصل» التاريخي، الذي يضم تماثيل وآثاراً من الحضارتين الآشورية والهلنستية، يعود تاريخها إلى قرون قبل الميلاد.

    الشريط، الذي حمل شعار «المكتب الإعلامي لولاية نينوى»، وتداولته حسابات موالية للتنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي، أعاد إلى الأذهان ما قامت به حركة «طالبان» عام 2001، عندما أجهزت على تمثالي «بوذا» المنحوتين على منحدرات وادي «باميان» في منطقة «هزارستان»، وسط أفغانستان، اللذين يعود تاريخ بنائهما إلى القرن السادس الميلادي.

    حيث يعتبر الموقع أحد مواقع «اليونيسكو» للتراث العالمي، ففي ذلك العام، وبقرار من 400 رجل دين من مختلف أنحاء أفغانستان، أمر «وزير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في حكومة «طالبان» بتدمير التمثالين، فتم ضربهما بالمدفعية، والمدافع المضادة للطائرات، قبل أن يتم وضع الألغام المضادة للدبابات في الجزء السفلي منهما ليتم تدميرهما بالكامل، رغم أن زعيم طالبان «الملا عمر» كان قد أصدر مرسوماً عام 1999 لصالح الحفاظ على تماثيل بوذا؛ لأن السكان البوذيين في أفغانستان لم يعودوا موجودين، وبذلك لم تعد التماثيل تُعبد!

    وفي 6 مارس 2001 نقلت صحيفة «ذي تايمز» عن الملا عمر نفسه قوله: «يجب أن يكون المسلمون فخورين بتحطيم الأصنام، ويجب حمد الله على أننا قد دمرناها لهم»! أما في الشريط الذي نشره تنظيم «داعش» يوم الخميس الماضي، فقد ظهر عنصر من التنظيم أمام تمثال ضخم يقول: «أيها المسلمون.. إن هذه الآثار التي ورائي إنما هي أصنام وأوثان لأقوام في القرون السابقة، كانت تعبد من دون الله، عز وجل. إن ما يسمى بالآشوريين والأكاديين وغيرهم، كانوا يتخذون آلهة للمطر، وآلهة للزرع، وآلهة للحرب. يشركون بالله ويتقربون إليها بشتى أنواع القرابين».

    وأضاف: «النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، أزال الأصنام وطمسها بيده الشريفة عندما فتح مكة»، فهل يشبّه الداعشيون ما يقومون به من تدمير وقتل وحرق وترويع للآمنين في مدنهم، بفتح رسول الرحمة، صلى الله عليه وسلم، لمكة المكرمة؟!

    تدمير «داعش» لمتحف الموصل يأتي بعد حرقه لأكثر من 8 آلاف كتاب ومخطوط نادر في مكتبة الموصل المركزية، التي تعتبر واحدة من أقدم المكتبات التاريخية في محافظة «نينوى»، حيث لم تفلح محاولة عدد من الأهالي منع مسلحي التنظيم من إحراق مكتبة المدينة، في مشهد أعاد إلى الأذهان إحراق مكتبات بغداد، وقرطبة، وغرناطة، وغيرها من المدن الإسلامية، عبر التاريخ، لطمس نتاج العقول قبل الأبدان، فهل يعيد الداعشيون ما فعله قبلهم التتار، وغيرهم من الغزاة والموتورين، أم أنهم يحاولون إعادة عجلة الحياة والتاريخ إلى الوراء؟

    التمسح بالإسلام لتدمير الآثار تخلف فكري وحضاري، وتضليل لا ينطلي على أحد، إذ لو كان لتدمير الآثار مسوغ من الشريعة الإسلامية لفعل ذلك المسلمون الأوائل الذي فتحوا هذه البلدان، ووصلوا إلى هذه المدن قبل أن يصلها الداعشيون، في عهد الخلفاء الراشدين الأكثر قرباً من النبي، صلى الله عليه وسلم، والأكثر حرصاً على عقيدة المسلمين وسلامتها، فهل يحاول الداعشيون إقناعنا بأنهم أكثر حرصاً على عقيدتنا من أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، الذي بدأ في عهده فتح العراق والشام؟

    أم يحاولون إقناعنا أنهم أكثر حرصاً عليها من عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الذي أكمل فتح العراق والشام، وفتحت في عهده فارس ومصر، فلم يأمر أي منهما قادة جيشه بحرق مكتبة ولا تدمير أثر من آثار الأمم السابقة، بدليل أنها بقيت حتى عصرنا هذا، لتأتي «داعش» وغيرها من التنظيمات ذات الأفكار المتطرفة والجانحة كي تقنعنا بأن في تدمير الآثار وحرق الكتب حماية للعقيدة من الكفر والشرك.

    معركتنا ضد «داعش» وأخواتها من التنظيمات والجماعات التي تسمي نفسها إسلامية ليست معركة حربية فقط، أسلحتها الطائرات والصواريخ والمدافع، وإنما هي معركة فكرية، سلاحها العقل والمنطق، وساحاتها المدارس والمساجد ووسائل الإعلام التقليدية والحديثة.

    لذلك حسناً فعلت وزارة التربية والتعليم المصرية عندما أصدرت قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة بعض المواد في مناهج التربية الدينية لكل المراحل التعليمية، وتقديمها إلى وزارة الأوقاف والأزهر لمراجعتها، في إطار استراتيجية «الأمن الفكري» لمواجهة ظاهرتي العنف والتطرف بالتعليم قبل الجامعي، فالعنف الذي شاهدناه في الجامعات المصرية، منذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر ليس وليد اللحظة بالتأكيد، وإنما هو نتاج تعليم أغفل تحصين فكر الطلبة وعقائدهم، حتى وقعوا في شراك الجماعات والتنظيمات المتطرفة، التي تتخذ من الإسلام وسيلة لتحقيق أهدافها في الوصول إلى السلطة، والاستحواذ على مراكز القرار وحدها.

    إن الكثير من الدروس الدينية التي يتلقاها النشء في مراحل تعليمهم الأولى، تزرع في عقولهم أفكاراً مغلوطة عن الدين الإسلامي، عندما تعلمهم أن الإسلام انتشر بالسيف لا العقل والإقناع، وتعتبر أصحاب الديانات الأخرى أعداء بالفطرة، لينسحب الحكم بعد ذلك على المسلمين، الذين يختلفون مع أصحاب هذه الأفكار المتطرفة، فيصبحون أعداء يحل لهذه الجماعات قتلهم وحرقهم، ومنعهم من التواصل مع الأمم والحضارات التي سبقتهم، التي ستأتي بعدهم.

    طباعة Email