ناصرية بلا ناصر!

ت + ت - الحجم الطبيعي

وقع الفعل الثوري في الخامس والعشرين من يناير، على أرضية حلم هادر لدى المصريين بالحرية والكرامة الإنسانية، يأساً من إمكان الإصلاح التدريجي للنظام القائم، حيث انهارت الجمهورية الأولى بفعل عجزها عن إصلاح نفسها، خصوصاً في ثلث القرن الأخير من عمرها.

غير أننا، وبعد أربع سنوات من الثورة، انطوت على فترتي حكم انتقالي، ورئاستين للجمهورية: أولاهما للإخواني المعزول محمد مرسي، والثانية للمشير عبد الفتاح السيسي، يبدو لنا أن الجمهورية الثانية ليست جديدة نوعياً، على نحو يتفق مع أحلام الثورة، والتضحيات الكبرى التي بذلت لأجلها.

وأن الطريق التي تسير عليه مصر الآن لا يعدو أن يكون إصلاحاً تقليدياً بطيئاً، فما يسعى إليه الرئيس السيسي هو إعادة تركيب نظامه السياسي من مكونات تنتمي إلى العصور المختلفة للجمهورية الأولى، ولكن مع إعادة توزيع نسبة كل عصر من تلك المكونات.

بحيث يتم تهميش دور المكون المباركي، سيئ السمعة، مع الاحتفاظ من موروثه بتغليب الحلول الأمنية على السياسية، والذي تبدى على نحو مريع في واقعتي قتل الناشطة السياسية شيماء الصباغ، والتسعة عشر شاباً من جمهور وايت نايتس.

وفي المقابل، تعظيم المكون الناصري، خصوصاً في ما يتعلق بالتعويل على الخطاب السياسي الشعبوي المباشر إلى الجماهير، وعدم الاكتراث بالقوى المدنية الوسيطة، سواء الأحزاب السياسية أو المنظمات الأهلية، خصوصاً الحقوقي منها.

وكذلك التعويل على صيغة التحديث السلطوي من أعلى، حيث الدور المركزي للجيش، وتقديم المفهوم الاجتماعي ـ الاقتصادي للحرية، على المفهوم السياسي لها، بحيث تتم المبادلة بين الإنجاز الاقتصادي السريع، وبين التحول الديمقراطي المؤجل، باعتبار أن محفزات المصريين الأساسية، إلى الثورة في 25 يناير، لم تكن هي الولوج إلى أفق الحرية، بل الهروب من براثن الفقر.

تعكس هذه القراءة، دون شك، رؤية محافظة للواقع المصري، تهمل حقيقة أولية تتجسد في الاختلاف الجذري بين دور الجماهير المركزي في 25 يناير، التي أنتجت الحكم الحالي، وبين دورها الهامشي في حدث 23 يوليو الثوري، الذي قاده الجيش، وأقام على أساسه الجمهورية الأولى.

كما تتجاهل سؤالاً مركزياً، هو: لماذا سقط المشروع الناصري، رغم روحه التحديثية الواضحة، وإنجازاته الفعلية على الأرض، بل ولوجه إلى آفاق غير ممكنة الآن من سياسات العدالة الاجتماعية والتقريب بين الطبقات؟.

وهكذا يبدو أن مشكلة مصر اليوم لا تكمن فقط في حجم الاقتباس من التجربة الناصرية، بل في سوء الاقتباس منها. فعلى الصعيد الاقتصادي، مثلاً، كان الانحياز واضحاً لتحالف العمال والفلاحين، من خلال إصدار مجموعة القوانين الخاصة بالإصلاح الزراعي، والعلاقة بين الملاك والمستأجرين التي أعادت توزيع الأرض/ الثروة في مصر على نحو حقق عدالة جذرية.

ناهيك عن قوانين التأميم التي وسعت من حجم القطاع العام، وكذلك القوانين الاشتراكية التي صدرت بعد ذلك لصالح الطبقة العمالية، تحقيقاً لعدالة سريعة. أما اليوم، فيبدو الوضع مختلفاً تماماً.

وعلى الصعيد السياسي، نجد التكيف السلبي ذاته مع الظاهرة الناصرية، حيث تأسس الاستبداد على تصور أيديولوجي للعالم، ينحاز للفكرة الاشتراكية، والكتلة الشرقية. كما استخدم آليات التنظيم السياسي كالحزب الواحد، وأيضاً المنظمات الشبابية في التواصل مع الجماهير.

أما الرئيس السيسي، كما كشفت الأشهر الماضية، فليس لديه فقط مشروع الأيديولوجي، وليس لديه حزب أو منظمات شبابية، وهناك وضع قائم مع معظم الناشطين الشباب الذين أيدوا 30 يونيو، سواء من الطليعة الثورية بسبب قانون التظاهر.

أو الحركة الطلابية بفعل التعامل الأمني، الذي سمح ولرؤساء الجامعات بالحديث صراحة عن قيامهم بتجنيد طلاب (وطنيين شرفاء)، للإرشاد عن زملائهم المشاغبين، وهو أمر كان يحدث في الستينيات ولا شك، ولكن بأقصى درجات السرية والحذر، أما اليوم، فيجري بمنتهى الصراحة والعلنية.

ناهيك بالطبع عن المخاطر المحدقة بالحريات الصحافية والإعلامية، حيث تتزايد هيمنة النغمة الواحدة، ويجري عزل تدريجي للأصوات المستعصية على التنميط، مع ما يمثله ذلك من خسائر جمة ومخاطر مؤكدة على مستقبل الحرية في بلد يبقى البناء الحزبي فيه ضعيفاً، وقدرته على التأثير في الرأي العام بالغة المحدودية، قياساً إلى الدور الإعلامي.

ثمة منطق أقل تشاؤماً، يفسر ما يجري، بكون النظام السياسي لم يكتمل حتى الآن، في انتظار البرلمان الذي سيحرك كثيراً من الركود. وأن الجامعات عانت، ولا تزال، من نشاط إخواني معطل، يفرض التعاطي الأمني. وأن البلاد تواجه إرهاباً متعدد الأوجه، مركزه في سيناء، بينما تمتد أذرعه إلى أربعة أرجاء الوادي والدلتا، وجميعها أمور معوقة للانفتاح السياسي.

وقد يكون لهذا المنطق بعض الوجاهة في توصيف المشهد، من دون قدرة على تبريره، فالطبيعي أن تواجه المجتمعات تحديات يومية، والمفترض أن تكون قادرة، ليس فقط على التصدي لها، بل على التطور في ظلها، وإلا فلن تتقدم أبداً. فعندما أجل عبد الناصر التحول الديمقراطي بذريعة الخطر الإسرائيلي، أدى الاستبداد للوقوع في الخطر، حيث كانت الهزيمة العسكرية.

ومن ثم، فإن المخاطر السياسية والأمنية التي تحيط بمصر، لا يجب أن تواجه بالاستبداد، بل بالانفتاح والحوار مع الطبقة المدنية والجيل الشاب، بغية تمتين جبهة 30 يونيو، واستعادة عموم جمهور 25 يناير، بديلاً عن التفتيت الذي يجري لهما كل يوم، وما يشيعه ذلك من مشاعر الإحباط لدى عموم المصريين.

 

طباعة Email