وعي الحرية وثقافة العنف

ت + ت - الحجم الطبيعي

تزدهر الحرية ويسود السلم المدني، أو على العكس يزدهر الاستبداد ويسود العنف، بقدر ما تنضبط العلاقة بين الذاتية والموضوعية، وتتوازن بين الإنسان والعالم، وهو تطور يتوقف على أمرين أساسيين: أولهما هو نضوج الذات الإنسانية، وقدرتها على طرح تصوراتها الخاصة حول وجودها التاريخي وواقعها الراهن، مضمنة في تساؤلات من قبيل: من أنا وما علاقتي بالآخرين المحيطين بي؟

وكيف نشأ هذا المجتمع السياسي، وكيف آلت السلطة فيه إلى من يملكونها، ولماذا؟ وهل يمكنني أن أحوز قدراً منها وكيف؟ هذا الشعور العميق بالفردية وتلك القدرة على طرح أسئلة وجودية، يمثل اللبنة الأولى في ثقافة الحرية.

وثانيهما غياب اليقين عن تلك الذات الإنسانية، لتبقى تصوراتها فقط في نطاق الاحتمال، فلا تدعي امتلاك الحقيقة، إذ بقدر ما يطرح الفرد من رؤى ذاتية، يتعين عليه الإيمان بقدرة الآخرين جميعاً- وليس المميزين فقط - على طرح رؤى متمايزة.

وربما نقيضة، كما يتعين على الجميع إدراك أن تصوراتهم جميعاً شيء، والحقيقة نفسها شيء آخر، فليست هي رأي أحدهم أو رؤية فئة خاصة منهم، وليست بالضرورة حاصل جمع كل تصوراتهم، بل إن بعض مستوياتها «المطلقة» غير قابل للكشف، والمتاح منها على صعيد السياسة والمجتمع ليس إلا حقائق نسبية تحوز أقداراً متباينة من التوافق حولها.

وفي هذا السياق يمكن تصور ثلاث حالات أساسية للوعي الإنساني، تبنى جميعها على مدى رسوخ التوازن بين طرفي هذه العلاقة:

الأولى هي حالة الوعي الراكد، الناجم عن غياب الشعور بالذات الفردية، التي تسود غالباً لدى المجتمعات البدائية التي تفتقر إلى التخصص الوظيفي وتقسيم العمل، أو القبلية التي تهيمن عليها روح قطيع جمعية، يسود معها عقل اتباعي، يحول دون التساؤل والشك.

حيث يسهل لنفر قليل من بين الجماعة الإنسانية، يدعون التميز «في الأصل أو في العقل»، طرح أسئلتهم وقناعاتهم الخاصة بهم وكأنها أسئلة وقناعات الجماعة كلها، بحيث تتخذ شكل الحقائق العقلية والوجودية، وليس فقط التصورات الذاتية والنسبية، ولذا فعلى الجميع أن ينصاع لها وهو غالباً ما يتم تأثراً بفضاء ثقافي راكد ومغلق، ومحيط اجتماعي يقوم على الاستبداد والقهر المادي والمعنوي.

الثانية هي حالة الوعي العنيف، الذي يسود مجتمعات تجاوزت الركود البدائي، ولكنها لم تبلغ النضج الحداثي، فهي غالباً مجتمعات شمولية تستند إلى نمط من العقل (ما بعد التقليدي).

في ظل هذه المجتمعات يتنامى الشعور بالفردية من مجرد الحق في التعبير عن الذات بطرح التصورات وإثارة الأسئلة، سعياً للمعرفة والحوار، إلى الادعاء بامتلاك اليقين، حيث الرؤى الذاتية لأفراد بعينهم، والتصورات الذهنية لفئات خاصة من بينهم، تصير بمثابة حقائق مطلقة لا يملك الآخرون سوى الخضوع لها.

أما الثالثة فهي وعي الحرية، الأكثر إيجابية، حيث تتوفر للذات الفردية، تلك الشخصية الناضجة القادرة على التساؤل والحوار، ولكن من دون وقوع في أسر اليقين.

هنا يصبح ممكناً التحاور بين ذوات فردية متعددة ومتكافئة، حول حقائق نسبية ممكنة، على صُعد السياسة والاجتماع والتاريخ، تستخدم فيه مفردات الاحتمال من قبيل: أرى وأتصور وأظن، وتنتفي فيه مفردات اليقين: أؤكد وأجزم وأقر.

كما يصبح متصوراً نهوض الجماعة البشرية بصياغة تصورات مشتركة عن العالم، وإقامة أبنية تعبر عن هذه التصورات، وتلبى متطلبات إدارة حياة مشتركة يرتضيها الجميع وإن بدرجات متفاوتة، حيث يختفي الرضى المطلق لصالح رضى نسبي يعتريه بعض عوامل القلق تجاه ما تم التوافق حوله في لحظة تاريخية ما، نحو إعادة النظر في تلك الأبنية والمؤسسات والأهداف، بغرض تعديل مساراتها وتصويب اتجاهاتها، لتحقق أهدافها بدرجة رضى أكبر.

في سياق هذه الأنماط الثلاثة للوعي، يتبدى لنا عمق المأزق الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية، التي تجاوزت بالكاد عتبات وعي الركود الذي صاحب تاريخها قروناً طويلة منذ هدأت ثورة الإسلام الحضارية، تحت وطأة الموروثات المجتمعية العتيدة، السابقة عليه، التي التصقت به ونالت تدريجياً من حضوره وحيويته.

ولكنها، في المقابل، لم تبلغ وعي الحرية القائم على محورية الذات الفردية، والمؤسس للحداثة الاجتماعية والسياسية، ومن ثم وقعت في المنطقة الرمادية، أسيرة لوعي العنف المؤسس للإرهاب.

فعلى عكس وعي الركود الذي يسمح لفئة ما بالهيمنة السلمية على مقدرات الجماعة، يمر وعي العنف بمحطات صعبة وقلقة على طريق السيطرة القسرية على باقي فئات الجماعة الإنسانية، وهو ما يفسر مناخات الشر والدم المحيطة بنا، حيث يدير العقل الإخواني «المتسلف» وتيارات التطرف المنبثقة منه والمتحالفة معه، الحرب علينا، على نحو يأخذ من طاقاتنا، ليصب في خانة أعدائنا.

وهكذا تعيش مجتمعاتنا ما يشبه جبر التكرار، من هيمنة الأعراف والتقاليد البالية، إلى هيمنة التراثات الهامشية وتأويلاتها المنحرفة، طالما ظل غياب المفكر الحداثي القادر على التبشير بالحرية، ليس لأنه لم يولد بعد، ولكن لأن الجماهير تأبى الإصغاء له، ولأن السلطة السياسية تكرهه، ولأن الضجيج الذي يصنعه مشايخ الفضاء وأمراء الفتوى يحجب الضوء عنه.

 

طباعة Email