توظيف طاقة التحرر في الإسلام

ت + ت - الحجم الطبيعي

يتعرف الفرد إلى الشرائع والقوانين بالتعليم النظري، أو التربية الدينية، ولكنه يمارسها فقط بالاستبطان الروحي، فالإيمان ليس معرفة عقلية، ولا يؤتي ثماره بمجرد إدراك الحقيقة، بل هو حالة روح تتوق إلى الحقيقة نفسها، ويحفزها التعلق بالكون الرحيب.

مثل هذا الإيمان غالباً ما يولد وينمو دون معرفة تحليلية، فلا يدرك المرء سره، ولو سعى، فيما بعد، إلى فهمه. وهنا يظل إيمانه البدئي، النابع من باطنه، أقوى من الشكوك التي تجابهه. أما الذي لا يشرق باطنه بالإيمان، ويسعى فقط إلى تعلمه، فيظل معرضاً دوماً للشكوك التي تفترسه.

فما يميز الإيمان ليس المفاهيم العقدية له. الثقة المطلقة التي لا تتزعزع في الخالق، الذي خلق العالم والإنسان، ولا يزال يرعاهما، ما يعنى أن الإيمان ليس إلا واقعة داخلية صرفة، تنبع وتصب في الجوهر الباطن للإنسان.

لعل هذا الملمح بالذات هو الذي يصبغ الإيمان بنزعة فردية، تستعصى على التنظيم، وأبعاداً جوانية تمتنع على التقنين، وهو المعنى الذي ذهب إليه توماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين للإمبراطورية الأميركية، الذين صاغوا نمط العلاقة الإيجابية والفعالة بين الدين والحرية فيها..

وبالأحرى بين التدين والتحرر، قائلاً: «أنا بحد ذاتي فرقة دينية»، وهو المعنى الذي كرره توماس بين بعد عقود عندما قال: «فكري هو كنيستي»، وهي رؤى تعكس ذروة النزعة الفردية في الدين، وتكشف عن عمق العلاقة بين أمة المؤمنين بالإنجيل، ودولة الإيمان بالحرية.

وربما كان أكثر ما نحتاج إليه اليوم، بل إنها حاجة الأمس التي تأخرت إلى اليوم، يتمثل في تحرير إسلامي يُخلِّصنا من سلطة النصوص التراثية، ويُحررنا من هيمنة روح القطيع، ويلهمنا بأحلام التقدم والنهوض والاستقلال الوطني على المنوال الذي تم لعبه في دعم حركات التحرر الوطني في معظم أرجاء أميركا اللاتينية، إبان ستينات القرن الماضي، ضد الإقطاع والهيمنة الأميركية، والنظم العسكرية.

لحسن الحظ فإن القرآن الكريم، ينطوي جوهرياً على بعد تحرري عميق، حيث النزوع إلى التوحيد، من حيث هو اعتراف بوحدانية الله، يبلغ هذا البعد التحرري أفقاً بامتياز بفضل الجوهر التنزيهي المؤسس للتوحيد الإسلامي. فإذا كان أول صفات الله وأهمها هي أنه واحد أحد، وأن وحدانيته تتميز بالشمول والخلود.

فعلى كل فرد مؤمن به، كي يستحق هذا الوصف، أن يسعى ليكون متمتعاً بشخصية إنسانية ناضجة، واستقلال ذاتي مطلق في ما يخص فعل الإيمان بالذات. لقد خلق الله كل إنسان بتكوين متفرد، متميزاً عن سواه، وسوف يبعثه في الآخرة فرداً «ولقد جئتمونا فرادى، كما خلقناكم أول مرة» (الأنعام: 94).

وفي آية أخرى «ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً» (مريم:80). وفي آية ثالثة «وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً» (مريم: 95). فكون المسلم واحداً هو ما يجعل شهادته بوحدانية الله ذات معنى، تفترض مسبقاً استقلالية ذاته وتستند إليها، فيتجلى الإنسان حراً كريماً وتنطلق إرادته من كل القيود التي كانت تكبله، قيود الجماعة، والتقاليد، والأعراف، والسلاطين.. وغيرها.

بل يقول القرآن الكريم إن طاعة الإنسان المطلقة لإنسان سواه شعبة من شعب الشرك، حتى لو كانت لعلماء ومشايخ وقادة دينيين كبار، لأن الإنسان لا يأتي بمثل هذه الطاعة لإنسان آخر يشعر أنه مثله، ولا يتخلى عن حقه في التفكير والتعبير واستقلال إزاء شخص آخر إلا إذا اعتبره خالياً من الخطأ منزهاً من النقص، أو ظنه قادراً على إيقاع النفع والضرر، العطاء والمنع، ولا شك في أن الاعتقاد بوجود هذه الصفات في غير الله هو أصل كل شرك.

وهكذا تعد الحرية الإنسانية نتيجة أساسية للتوحيد، وضرورة منطقية للتنزيه، فكلاهما يمثل قاعدة صلبة للمساواة بين البشر، الذين تواضعوا جميعاً أمام الذات الإلهية. والمساواة (القانونية) بدورها لازمة أساسية للحرية، ومن ثم فإن اللحظة التي يتسامى فيها الله على الوجود البشري بمجمله، هي نفسها التي يتساوى فيها البشر فيما بينهم، وهي أيضاً اللحظة التي تصبح فيها الحرية، بالمعنى الوجودي، إحدى الممكنات الإنسانية.

 

طباعة Email