الثروة وقواعد اللعبة السياسية في أميركا

يملك أغنى أثرياء أميركا من إجمالي ثروة البلاد أكثر مما ملكوه على مدى قرن من الزمن تقريبا، فعلى ماذا ينفقون هذه الثروة؟ كما هو متوقع، على الطائرات الخاصة واليخوت العملاقة والأعمال الفنية وشقق البنتهاوس الفخمة. كذلك ينفقون على السياسة. وفي الواقع، كان إنفاقهم السياسي ينمو بوتيرة أسرع من إنفاقهم على أي شيء آخر، وكان ينمو أسرع من ثرواتهم.

واستنادا إلى بحث جديد أعده «ايمانويل سايز» في جامعة كاليفورنيا ببركلي، وغابرييل زوكمان في كلية لندن للاقتصاد، فإن نسبة 0.01% الأغنى في أميركا ضمن نسبة الـ 1% الأكثر ثراء، يملكون الآن أكثر من 11% من إجمالي ثروة البلاد، وهذه الحصة تزيد عما كان يملكه أغنى 0.01% بين كبار الأثرياء في عام 1929، قبل الكساد الكبير. ونحن نتكلم هنا عن 16 ألف شخص، حيث ثروة كل منهم، تساوي 110 مليون دولار على الأقل.

ومن بين الطرق لاستيعاب هذا الأمر مقارنة ثروتهم بمعدل ثروة عائلة عادية متوسطة الحال. ففي عام 1978، كان مالك ثروة نموذجي ضمن نسبة الـ 0.01 % الأغنى في البلاد يعد 220 مرة أكثر ثراء من متوسط الأميركي العادي. وبحلول عام 2020، فإنه سيصبح 1120 مرة أكثر ثراء منه. ومن الصعوبة إنفاق هذا القدر من المال.

وتصطف الطبقة الأكثر ثراء الآن لشراء الطائرة الخاصة الجديدة النفاثة من طراز «أريون إيه إس 2»، المحدد ثمنها بأكثر من 100 مليون دولار، والتي تتسع لـ11 مقعدا، وتتضمن غرفة طعام مترفة ومرافق استحمام، وهذه الطائرة ستكون قادرة على عبور الأطلسي في أربع ساعات فقط.

أما بالنسبة لشقق الدوبلكس المرتفعة في الأجواء، فقد بيعت تلك على أعلى برج «وان 57»، البرج الأحدث «على شكل إبرة» في مانهاتن والمؤلف من 90 طابقا، بـ 90 مليون دولار.

لماذا ينبغي أن نهتم؟

لأن مثل هذا الانفجار في الثروة في الأعلى رافقه تآكل في ثروة الطبقة الوسطى والفقراء. في منتصف الثمانينيات، فإن الـ90% من الأميركيين في أسفل الهرم كانوا يملكون معا 36% من ثروة البلاد، في حين أنهم باتوا يملكون الآن اقل من 23%.

وعلى الرغم من معاشات التقاعد الأكبر والمنازل الأكثر رحابة، فإن ديون هؤلاء نمت بوتيرة أسرع، كالرهن العقاري، والقروض الاستهلاكية والقروض الطلابية. قد يعتقد البعض أن أولئك ينبغي عليهم أن يشدوا الأحزمة ويتوقفوا عن العيش بأكثر من إمكانياتهم، ففي النهاية، الرأسمالية لعبة قاسية.

إذا كان أولئك الموجودون في الأعلى يكسبون الكثير فيما الـ90% في الأسفل يخسرون، فمن المؤسف أن تكون هذه هي الطريقة التي تخاض بها اللعبة. لكن أولئك الـ 0.01% الأغنى في أميركا كانوا يستثمرون أموالهم أيضا في السياسة، وهذه الاستثمارات كانت تعمل على تغيير اللعبة.

في دورة الانتخابات عام 2012 شكلت تبرعات الـ 0.01% الأغنى في البلاد أكثر من 40% من مجمل تبرعات الحملات الانتخابية، وهذه تعد زيادة هائلة عن عام 1980 عندما كانت تشكل 10% من إجمالي التبرعات على الحملات الانتخابية.

وفي الواقع، اعتمد الديمقراطيون بشكل متزايد عليه. في دورة الانتخابات عام 2012، فان نسبة تبرعات الـ 0.01% الأغنى في البلاد إلى الديمقراطيين كانت اكثر من اربع مرات من مجمل تبرعات النقابات العمالية إلى الديمقراطيين.

ولم يتبرع هؤلاء لطيبة قلوبهم، بل لصالح محافظ جيوبهم. واستثماراتهم السياسية حققت لهم مكاسب في شكل ضرائب منخفضة على أنفسهم وأعمالهم، وإعانات لشركاتهم الخاصة، وعمليات إنقاذ حكومية، وملاحقات قضائية فيدرالية تنتهي بتسويات، حيث لا تؤكد الشركات أو تنفي الحقائق، وحيث المديرون التنفيذيون لا يذهبون إلى السجن.

منذ أن بدأت نسبة أولئك الـ 0.01% الأغنى في أميركا في الاستثمار كثيرا في السياسة، ارتفعت أرباح الشركات وسوق الأسهم إلى مستويات قياسية. لكن نسبة الـ90% في اسفل الهرم لا يملكون الكثير من الحصص في الأسهم، ويعتمدون على أجورهم التي كانت تميل نحو الانخفاض.

 إذا كنت تريد أن تعرف ماذا حصل للاقتصاد الأميركي، فما عليك إلا أن تتبع المال، وهذا سوف يقودك إلى نسبة الـ 0.01% الأغنى في البلاد. وإذا كنت تريد معرفة ماذا حصل لديمقراطيتنا، فما عليك إلا أن تتبع نسبة الـ 0.01% الأغنى في البلاد، وهؤلاء سيقودونك إلى السياسيين الذين كانوا يبيعون الديمقراطية الأميركية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات