في معنى الإنسان ومغزى الإنسانية

ت + ت - الحجم الطبيعي

يظل الفارق بين الإنسان وسائر الكائنات فارقا »وجوديا« بامتياز، رغم أي تشابه فسيولوجي أو أصل بيولوجي يجمع بينه وبينها؛ فحتى الحيوان الأكثر رقيا يفتقد بعدا من الأبعاد العميقة للوجود الإنساني وهو القدرة على التسامي، إذ يعيش من دون قدرة على تفهم الفارق بين: الخطأ والصواب، الظلم والعدل، الجميل والقبيح.

أما الإنسان فهو ذلك الكائن المتسامي، الذي يحيا ويدرك ببصيرته أنه يحيا، إذ يجعل من ذاته موضوعا لأبحاثه وتأملاته.

ولا يعني ذلك أن جميع البشر قد حققوا سموا أخلاقيا، فلا شر ولا عنف، بل يعني فقط نزوعا إلى السمو لدى مجمل النوع الإنساني، وإن عانى بعضه من السقوط في وهدة العادية والعبث والشر.

فالإنسان هنا ليس كينونة مغلقة تامة الصنع، ولدت مكتملة تنطق بالخير كله أو بالشر جله، ولكنه بمثابة صيرورة دائمة، يسعى خلالها إلى التعرف على نفسه، وتحقيق الخير الأقصى له بحسب اعتقاده هو، قد ينجح حينا ويفشل أحايين، ولكن ذلك ليس مهما، فالمهم ألا تتوقف محاولاته، فعندها تذبل إنسانيته، وتخضع لنوع خاص من العدم يتمثل في انعدام الإرادة الأخلاقية.

وربما كان الحيوان يخاف كالإنسان، غير أنه ذلك الخوف الغريزي على الطعام خشية الجوع أو على الجسد خشية الافتراس، وهو خوف يتشارك فيه مع الإنسان، ولكن الأخير يزيد عليه أنواعا أرقى من الخوف: خوفا دينيا من الله عندما يرتكب إثما يؤرق ضميره المؤمن.. خوفا ميتافيزيقيا من الفناء الذي يراه وهو يصيب جيرانه وأقرباءه وأصدقاءه.. خوفا نبيلا على الغير ممن يواجهون الحرمان والظلم.

وقد يقلق الحيوان، خصوصا الأكثر تطورا من الناحية السيكولوجية، ولكن قلقه ليس إلا شعورا مصاحبا للخوف على »الراهن«، وليس ذلك القلق الوجودي الناجم عن تخوف الإنسان من المستقبل وهواجسه إزاء »المصير«.

وقد يميل ذكر الحيوان إلى أنثاه، غير أنه لا يستطيع أن يحب، لأن ميله انعكاس مباشر لغريزته التلقائية أو سلوكه الجنسي البدائي، فيما الحب الإنساني الحقيقي له بعد جواني عميق وشفاف يكاد يشبه تجربة صوفية باطنية هائلة، تتجه نحو آخر بعينه، مفرد ومتميز ومُلهم، وليس أي آخر يجسد النوع الإنساني وفقط.

وحتى لو كان الإنسان خاضعا مع كل الكائنات لقانون العدم، فميزته الكبرى أنه وحده الأكثر وعيا بذلك القانون، وإدراكا لحقيقة أن هناك معنى ما يكمن وراء ذلك العدم، فالإنسان وحده هو الذي يعرف الموت، بل ويستعد له، سواء بثقة وهدوء أو بهلع وخوف.

وسواء مات في شيخوخته، بعد انتظار يطول أو يقصر، أو في شبابه بعد مرض قاهر أو حادث عارض، يواجه الإنسان بموته حقيقة محدوديته، ولكن منبع تساميه يبقى كامنا في إدراكه لتلك المحدودية، مثلما تنبع عظمته في تصالحه معها ورضاه بها وتسليمه لها، مدركا أن العمر القصير والموت المفاجئ لا يعني أن مشروع حياته قد انتهى بالفشل أو تم إجهاضه، بل ربما كان ناجحا إلى الحد الذي أتى ثماره سريعا، فلم يعد لاستمرار معاناته سبب جوهري.

يرتبط الفشل هنا بالجسد فقط، مادة الحياة، الذي واجهه العدم سريعا فانهزم أمامه، فيما يرتبط النجاح بمغزى الوجود، وقيمه الجوهرية، وكيف استطاع هذا الشخص أن يضيف إليها، وذاك الشخص أن يسحب منها، وتلك قدرة لا تتوقف على العمر، فكم من أناس عاشوا طويلا بأجسادهم وهم أموات، لم يدركوا معنى لشيء ولا مغزى لقيمة، حتى صار موت أحدهم وكأنه حياة للمعنى، أي للحياة نفسها في أخص خصائصها.

ولهذا كان لحياة الأبطال قيمة كبيرة في التاريخ، سواء أبطال العقل (الفلاسفة والمفكرين)، أو أبطال السياسة والسلاح (الحكام والقادة الكبار الذين بنوا الأمم ودافعوا عن الأوطان).

يموت الأبطال بيننا ولكنهم يعيشون فينا وفي الأزمان التي تلينا، ويعيش الأوغاد بيننا أمواتا، فلا نسمع سوى ضجيجهم الباطل، ولا نرى سوى شرهم الظاهر. هذا الفارق بين الأبطال والأوغاد هو ما نجده بين صلاح الدين قاهر أعداء الأمة، وأيمن الظواهري المعربد في أبناء الأمة.. بين عبد المنعم رياض وسعد الدين الشاذلي حماة الأوطان، وبين الزرقاوي والبغدادي أمراء الإرهاب أعداء الأوطان في كل زمان.. وهو نفسه الفارق بين أرسطو وكانط وراسل وابن رشد ومحمد عبده، رواد الفكر والنور عبر الأزمان، وبين المودودي وقطب ومحمد عبد السلام وغيرهم من أمراء التكفير، كهنة الأديان في كل مكان، فهؤلاء علمونا معنى الإنسانية، وأولئك أهدروا قيمة الإنسان.

طباعة Email