نحو فهم وجودي للإسلام!

ت + ت - الحجم الطبيعي

تجسد الفلسفة الوجودية أعتى دفاع عن الذات الفردية وحقها في الحضور والتأثير والفعالية، حيث الحرية الإنسانية تسبق ماهية الإنسان وتجعلها ممكنة، ومن المستحيل تمييز الحرية كنشاط إرادي، عن الإنسان ككائن واقعي.

غير أن تمييزاً ضرورياً يصبح مهماً بين موقفين وجوديين: أولهما مفهوم »الدازين« لدى هيدغر، حيث الإنسان مجرد »موجود هناك«، ألقي به في العالم ليعاني الاغتراب في الواقع والقلق إزاء المصير.

وثانيهما مفهوم »الوجود لأجل ذاته«، حيث تمكن الإنسان من امتلاك وجوده الذاتي، بتوقفه عن الإنصات إلى الناس وثرثرتهم، ونزوعه إلى إنتاج وعيه الخاص، ضمن صيرورة دائمة للتعلم يسميها هيدغر بـ»التصميم«. هذا التصميم هو الحرية التي تخلص »الموجود - هناك« من سطوة الناس، ولكنها لا تخلصه من سطوة الطبيعة، خصوصاً من العدم الذي يدفع به نحو الموت.

أما التحرر من هذا العدم واستعادة الوجود من قبضة الموت نفسه، فلا يمكن أن يحدث بحسب الفيلسوفين: قبل الوجودي لايبنتز، والوجودي المؤمن كيركيغورد، إلا خارج الذاتية عبر فيضٍ إشعاعي لا يستطيع أن يثبت ذاتية الإنسان إلا تجاه خالقه.

ولا نظن أن هذا الفيض الإشعاعي الواصل بين الإنسان وخالقة، أمر مختلف عن تلك الروحانية العميقة الواصلة بين المؤمن والحقيقة الإلهية. غير أن تلك الروحانية غالباً ما يستقبلها المؤمن بطريقتين مائزتين: الأولى تعكس نوعاً من »الزهد في العالم«، ذلك الزهد السلبي المغترب، المألوف والتقليدي المضمن في ظواهر تاريخية معروفة.

والثانية تعكس نوعاً من »الزاهد داخل العالم«، ذلك الزهد الإيجابي في مادة العالم، المصحوب بتأكيد قيمه الباطنة وغاياته الأسمى، وفي قلبها »الحرية« التي هي روحانية التاريخ وغايته بحسب هيغل.

وهنا يمكن استدعاء تقسيم ديني يوازي التقسيم الفلسفي على صعيد الفاعلية الإنسانية، بين طريقتين للوجود يندرج المؤمن في سياقهما: أولاهما »الوجود في العالم«، حيث يكون المؤمن مجرد ذرة في التيار الدافق لحركة العالم، على منوال »البوذي التقليدي، والمسيحي القروسطي، والمسلم الدرويش«، وجميعهم نموذج للإنسان »الزاهد في العالم«، ولكنه الزهد السلبي المغترب، الناجم عن نوع من الوجود الساكن ينسبه بعض الفلاسفة والمفكرين، خصوصا برغسون، إلى ما يسمونه الدين الساكن، غير أننا نتحفظ هنا على مقولة الدين الساكن بإطلاق، في مقابل الدين الدينامي بإطلاق. فثمة أديان تميل إلى السكون (كالمسيحية والبوذية)، ولكنها عرفت مراحل تاريخية وتحولات كبيرة وظواهر عديدة اتسمت بالدينامية.

وثمة، في المقابل، أديان ذات طابع دينامي بالأساس (كالإسلام)، ولكنها عرفت ظواهر زهدية ومراحل مغتربة اقتربت بها أحياناً من حالة السكون. والطريقة الثانية هي »الوجود داخل العالم«، حيث المؤمن هو ذلك الإنسان الحر الذي يحمل على عاتقه ثقل العالم بكامله، معتبراً نفسه المسؤول أخلاقياً عنه.

إنه لم يتحول إلى مجرد ذرة في خضمه، يفتقد الحضور والتأثير والفعالية، ولكنه لم يصبح مترعاً بدنيويته بعد.

وهكذا تمنح الخبرة الدينية للنزعة الفردية مسوغات جديدة، تنبع من أصل إيماني، فإذا كانت الحرية الوجودية هي جوهر الإنسان الذي يضمن له الشخصية المائزة، ويحول دون ضياعه في ذوات الآخرين، فإن الحضور الإلهي في العالم يمثل رافعة جوهرية (ميتافيزيقية) لتلك الحرية الوجودية، تدعم إنسانية المؤمن، وتحرره من عوامل قلقه واغترابه الذاتي، حيث الإيمان الجواني العميق، وما يحتويه من مفاهيم كالبعث والخلود، يعمل كمنشط للإرادة في مواجهة القلق الوجودي إزاء الألم والموت والعدم.

وعلى العكس من نيتشه في بيانه العدمي، رأى باول تيليش، الوجودي البروتستانتي، أن الإيمان كان ضرورة لتأسيس علاقة وجودية فعالة بين الإنسان والله، قادرة على أن تمد الإنسان باليقين والأمل في الخلاص.

ولعلي شخصياً، كمؤمن توحيدي، أتفق مع تيلش على جوهر العلاقة التي يرسمها بين الله والإنسان، كوسيلة مثلى لفرح أبدي وتواصل وجودي، ولكني، كمسلم، أختلف معه حول شكل تلك العلاقة. فثمة طريقة أخرى إسلامية بالغة التنزيه، تبقي الله خارج الفلك الإنساني، فيما تجعله قلباً للوجود الإنساني موصولاً روحياً به، بحيث يتم التلاقي ويكتمل الوصول إلى العمق، ويحدث الفرح من خلال الاستبصار الروحي للإنسان، لا الحضور الجسدي لله.

هذه الطريقة الإسلامية الصافية في التواصل مع الحقيقة الإلهية وصوغ الحرية الإنسانية، هي التي تم انتهاكها بطول مراحل التاريخ، حيث دخل العقل العربي في مرحلة غياب طويل، ودخل تاريخنا الحضاري في منحنيات مظلمة، سادها ما يقترب بالإسلام من حال الوجود الساكن، والاغتراب العميق، فإذا ما جاءت صحوة دينية كانت متسرعة وسطحية، ظاهرية لا جوهرية، لا تسعى إلى الإيجاب الحضاري عبر حضور إنساني حر متمدين وفاعل في التاريخ، بل جاءت عنيفة ودموية، يتم توظيفها لمآرب سياسية ومشروعات هيمنة إقليمية وعالمية، أدت وتؤدي إلى تفكيك وجودنا السياسي، بإثارة نزعات مذهبية وصراعات طائفية، صارت تنتشر حولنا مثل وباء سرطاني، حاملة مسميات وأوصافاً إسلامية، غريبة عنها بقدر غربتها عن العقل والفطرة وشتى القيم الإنسانية المعتبرة.

ومن ثم تتبدى حاجتنا اليوم لإعادة فهم الإسلام الحنيف فهماً جوانياً عميقاً، يجعل الإيمان ركيزة للتحرر، تضع الله فوق سقف الكون، وتضع الإنسان في مقدمة أشياء العالم، قبل أن تنصرف لإقامة علاقة رأسية بينهما، تتسم بالنقاء من أي شائبة والبراء من كل كهانة، والبعد عن كل تسلط.

طباعة Email